كيف أعادت “سول” صياغة قواعد اللعبة الرقمية؟

في خطوة تاريخية أعادت رسم خارطة النفوذ الرقمي عالميًا، أعلنت كوريا الجنوبية رسميًا عن دخول “قانون الذكاء الاصطناعي الأساسي” (AI Basic Act) حيز التنفيذ الكامل، لتصبح بذلك أول دولة في العالم تطبق قوانين شاملة تنظم هذه التكنولوجيا المتسارعة، متفوقة بجدولها الزمني على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. يهدف هذا القانون إلى معالجة المخاوف المتزايدة بشأن المحتوى المضلل والبيانات المزيفة، ووضع إطار عمل قانوني واضح لتطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول.
جاء هذا الإعلان في 31 يناير 2026، بعد سنوات من النقاش والتطوير، ويضع كوريا الجنوبية في طليعة الدول التي تسعى إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي. ويأتي القانون استجابةً لانتشار “التزييف العميق” (Deepfake) والمحتوى المُولد بالذكاء الاصطناعي الذي يهدد الأمن المجتمعي والعمليات السياسية، بالإضافة إلى الحاجة إلى حماية حقوق الملكية الفكرية والبيانات الشخصية.
تفاصيل القانون وبنوده الجوهرية
يعتمد القانون الكوري نهجًا “قائمًا على المخاطر”، حيث لا يتعامل مع كل أنظمة الذكاء الاصطناعي بنفس الحدة، بل يركز ثقله على المجالات الأكثر حساسية. هذا النهج يهدف إلى تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية المصالح العامة.
مكافحة “التزييف العميق” وحماية المحتوى
يلزم القانون الشركات المزودة لخدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي بدمج علامات مائية رقمية غير مرئية (Watermarks) في كافة الصور والفيديوهات والملفات الصوتية المنتجة آليًا. تهدف هذه العلامات إلى تمكين المنصات والمستخدمين من كشف المحتوى المولد اصطناعيًا بسهولة، مما يحد من انتشار المعلومات المضللة. وتعتبر هذه الخطوة ضرورية لمواجهة التحديات المتزايدة التي يفرضها المحتوى المُزيّف.
الأنظمة “عالية التأثير” والرقابة البشرية
تم تصنيف الذكاء الاصطناعي المستخدم في الرعاية الصحية والطاقة والخدمات المالية والقرارات العامة كأنظمة “عالية التأثير”. تتطلب هذه الأنظمة تقييمات سلامة دورية وإشرافًا بشريًا مباشرًا لا يمكن تجاوزه، لضمان عدم اتخاذ قرارات ضارة أو غير عادلة. ويعكس هذا التصنيف أهمية ضمان المساءلة والشفافية في المجالات الحساسة.
الشفافية والإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي
يجب على مقدمي الخدمة إخطار المستخدم بوضوح وبشكل مسبق بأنه يتفاعل مع الذكاء الاصطناعي، خاصة في خدمات الدعم والدردشة الآلية. يهدف هذا الإجراء إلى تمكين المستخدمين من فهم طبيعة التفاعل واتخاذ قرارات مستنيرة. وتعتبر الشفافية عنصرًا أساسيًا في بناء الثقة بين المستخدمين والتكنولوجيا.
المساءلة والتمثيل المحلي للشركات الأجنبية
يفرض القانون على الشركات الأجنبية العملاقة تعيين ممثل قانوني داخل كوريا الجنوبية، ليكون مسؤولاً أمام القضاء الكوري عن أي خرق للبيانات أو انتهاك للخصوصية. يهدف هذا الإجراء إلى ضمان مساءلة الشركات الأجنبية عن أفعالها وحماية حقوق المستخدمين الكوريين. ويعزز هذا الشرط من سيادة القانون ويضمن حماية البيانات.
الأثر الداخلي: إعادة صياغة العقد الاجتماعي الرقمي
على المستوى المحلي، لا يهدف القانون فقط لحماية المستهلك، بل لإعادة هيكلة الاقتصاد الكوري ليكون “اقتصاد ذكاء اصطناعي موثوق”. وتشمل هذه الجهود تحفيز الابتكار المسؤول، وتقديم الدعم الحكومي للبنية التحتية، وتعزيز الثقة العامة في الخدمات الرقمية.
تحفيز الابتكار المسؤول
من خلال توفير إطار قانوني واضح، تخلصت الشركات الكورية الناشئة من “الغموض القانوني”. المستثمرون الآن يضخون الأموال في شركات تلتزم بالمعايير، مما يقلل من احتمالية الفشل بسبب الملاحقات القانونية مستقبلًا. ويشجع هذا على تطوير حلول مبتكرة ومسؤولة في مجال الذكاء الاصطناعي.
الخطة الثلاثية للدعم الحكومي
يلزم القانون الحكومة بتقديم تقرير كل 3 سنوات حول حالة الذكاء الاصطناعي، ويوفر ميزانيات ضخمة لدعم البنية التحتية (مراكز البيانات والحوسبة السحابية) للشركات الصغيرة والمتوسطة. يهدف هذا الدعم إلى ضمان ألا تبتلع الشركات الكبرى السوق بالكامل، وتعزيز المنافسة والابتكار.
الثقة العامة والتحول الرقمي
في مجتمع تكنولوجي مثل كوريا، يعزز هذا القانون ثقة المواطن في الخدمات الحكومية الذكية، مما يسرع من عملية التحول الرقمي الشامل في الإدارة العامة والتعليم. وتعتبر الثقة عنصرًا أساسيًا في نجاح أي مبادرة رقمية.
الأثر الخارجي: تأثير “سول” العالمي
تأثير هذا القانون يتجاوز حدود شبه الجزيرة الكورية ليصدم النظام العالمي. وتشمل هذه التأثيرات كسر احتكار “بروكسل” للتشريع، ووضع معايير تقنية عالمية جديدة، والتموضع الجيوسياسي لكوريا الجنوبية كقوة ثالثة في مجال الذكاء الاصطناعي.
من المتوقع أن تدرس العديد من الدول حول العالم التجربة الكورية، وقد تتبنى بعضها نماذج مماثلة لتنظيم الذكاء الاصطناعي. وسيحدد نجاح أو فشل التجربة الكورية خلال العامين القادمين بشكل نهائي كيف ستتعامل بقية دول العالم مع هذه الثورة. ومع ذلك، يظل هناك بعض التحديات، مثل تكاليف الامتثال وإمكانية اختراق العلامات المائية الرقمية. وستراقب الجهات المعنية عن كثب كيفية تطور هذه التحديات وكيفية معالجتها.

