عاصفة دبلوماسية.. رفض واسع لاعتراف “إسرائيل” بأرض الصومال | الخليج أونلاين

اعتراف “إسرائيل” بإقليم أرض الصومال أثار ردود فعل غاضبة على نطاق واسع، حيث أدانته دول عربية وإسلامية بشدة، معتبرةً إياه انتهاكاً للقانون الدولي ومحاولة لزعزعة استقرار منطقة القرن الأفريقي. هذا القرار، الذي أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الجمعة (26 ديسمبر 2025)، يمثل تطوراً دبلوماسياً مثيراً للجدل، ويطرح تساؤلات حول الدوافع الكامنة وراءه وتداعياته المحتملة على المنطقة. الاعتراف بإقليم أرض الصومال، الذي أعلن استقلاله من جانب واحد عام 1991، لم يلقَ ترحيباً من المجتمع الدولي، باستثناء تل أبيب حتى الآن.
## أرض الصومال: نظرة عامة
تقع أرض الصومال في شمال الصومال، وتتميز بموقعها الاستراتيجي على خليج عدن، مما يجعلها نقطة وصل مهمة في حركة التجارة العالمية. يبلغ عدد سكانها أكثر من 6 ملايين نسمة، وتعتمد اقتصادياً على الثروة الحيوانية والتحويلات المالية من المغتربين. تتمتع أرض الصومال بخصائص دولة ناشئة، فهي تمتلك عملة خاصة بها، وجيشاً منظماً، وجهاز شرطة، بالإضافة إلى شريط ساحلي طويل يمتد على طول 740 كيلومترًا، ويضم موانئ حيوية مثل ميناء بربرة.
أعلنت أرض الصومال استقلالها في مايو 1991، وأجرى الإقليم أول استفتاء على الانفصال في عام 2001، حيث صوت لصالح ذلك 97.1% من المشاركين. ومع ذلك، لم يحظ هذا الاستفتاء باعتراف دولي واسع النطاق، وظلت أرض الصومال تسعى للحصول على اعتراف رسمي بدولتها. تعتبر اللغة الصومالية والعربية والإنجليزية هي اللغات الرسمية في أرض الصومال، مما يعكس التنوع الثقافي واللغوي الذي يميّز الإقليم.
## الاعتراف الإسرائيلي: شرارة أزمة دبلوماسية
الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية، بل أشعل عاصفة من الرفض والإدانات على المستويات العربية والإسلامية والدولية. وصف العديد من المراقبين هذا الاعتراف بأنه “تحول تاريخي” يهدد وحدة الدول ويفتح الباب أمام النزعات الانفصالية. أصدرت أكثر من 21 دولة عربية وإسلامية بياناً مشتركاً دانت فيه بشدة هذا الاعتراف، مؤكدةً أنه يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وتهديداً لوحدة الأراضي الصومالية.
من بين الدول التي رفضت الاعتراف: قطر، والسعودية، والكويت، وسلطنة عُمان، ومصر، والجزائر، وجزر القمر، وجيبوتي، وجامبيا، وإيران، والعراق، وليبيا، والمالديف، ونيجيريا، وباكستان، وفلسطين، والصومال، والسودان، وتركيا، واليمن، بالإضافة إلى منظمة التعاون الإسلامي. هذه الدول أكدت على أن الاعتراف الإسرائيلي يفتح الباب أمام زعزعة الاستقرار الإقليمي وتشجيع الحركات الانفصالية، وأن أي محاولة لربط هذا الاعتراف بملفات أخرى، مثل قضايا التهجير أو الترتيبات الإقليمية، أمر مرفوض تماماً.
## ردود الفعل الدولية والتشديد على السيادة
لم تقتصر ردود الفعل على الدول العربية والإسلامية، بل امتدت لتشمل المجتمع الدولي. الجامعة العربية شددت على أن أي إجراء أحادي يمس وحدة الصومال يُعد خرقاً واضحاً لمبادئ ميثاقها وقرارات الشرعية الدولية، مؤكدة دعمها الكامل للحكومة الصومالية ومؤسساتها الشرعية. كما حذر الاتحاد الأفريقي من “عواقب خطيرة” لأي خطوة من شأنها تقويض وحدة الدول الأفريقية، مؤكداً التزامه الثابت بمبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار.
أما الاتحاد الأوروبي، فقد أعرب عن قلقه العميق إزاء الخطوة الإسرائيلية، داعياً إلى احترام وحدة الأراضي الصومالية والعمل على تسوية الخلافات عبر الحوار السياسي. من جانبه، أعلن مجلس الأمن الدولي عزمه عقد جلسة طارئة لمناقشة تداعيات القرار، وسط مخاوف من أن يشكل سابقة قد تُستغل في نزاعات انفصالية أخرى حول العالم. الولايات المتحدة الأمريكية، على عكس إسرائيل، أكدت أنها لا تعتزم الاعتراف بأرض الصومال، مشددة على دعمها لوحدة الأراضي الصومالية.
## دوافع إسرائيلية ومخاوف من التهجير
تزايدت التكهنات حول الدوافع الحقيقية وراء اعتراف إسرائيل بأرض الصومال. كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية عن وجود تفاهمات غير معلنة تتعلق بإمكانية توطين سكان من قطاع غزة في الإقليم، مقابل اعتراف سياسي ودعم اقتصادي. أثارت هذه المعلومات مخاوف واسعة من محاولة إسرائيل لتصدير الأزمة الفلسطينية إلى خارج حدودها، واستغلال الوضع الإنساني الصعب في غزة لتحقيق مكاسب سياسية.
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود شدد على أن بلاده ترفض محاولات إسرائيل نقل الصراع في الشرق الأوسط إلى أراضيها، واعتبر القرار الإسرائيلي بمثابة عدوان سافر على سيادة بلاده. وأكد أن أرض الصومال جزء لا يتجزأ من الصومال، وأن اعتراف إسرائيل بها يهدد الأمن والاستقرار ويشجع حركات الانفصال في العالم أجمع. كما أكد رفضه القاطع لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة وإقامة قواعد عسكرية على الأراضي الصومالية.
## رؤى تحليلية: أهداف إسرائيل التقسيمية
يرى المحلل السياسي محمود علوش أن الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال يمثل خروجاً لأهداف إسرائيل التقسيمية في المنطقة العربية إلى العلن بشكل أكثر وضوحاً. ويوضح أن هناك مشروعاً إسرائيلياً يهدف إلى تقسيم الدول العربية وتفتيتها، وإنشاء كيانات حليفة لها في المنطقة من أجل السيطرة عليها، ليس بهدف السيطرة فقط، بل لضمان استمرارية المشروع الاستعماري الإسرائيلي لعقود طويلة.
وأضاف أن هذا الإعلان الإسرائيلي يُنظر إليه على أنه تهديد كبير للمنطقة ولهويتها، وليس فقط للصومال، بل لوحدة جميع الدول العربية التي تستشعر اليوم مخاطر تهدد وحدتها. واعتبر أن مشاريع التقسيم في سوريا تستهدف تركيا، وفي السودان وليبيا والصومال تستهدف مصر، وفي اليمن تستهدف المملكة العربية السعودية. وأشار إلى أن هذه التطورات قد تؤدي إلى نشوء تحالفات جديدة في المنطقة، نتيجة للتعامل مع هذا الخطر المتزايد. الاعتراف بإقليم أرض الصومال يمثل بالتالي نقطة تحول في السياسة الإقليمية، ويستدعي تحليلاً دقيقاً وتنسيقاً عربياً وإسلامياً لمواجهة التحديات المحتملة.

