بكين تفتح تحقيقا في استحواذ “ميتا” على “مانوس” للذكاء الاصطناعي

في خطوة تصعيدية جديدة ضمن “حرب التكنولوجيا الباردة” بين واشنطن وبكين، أعلنت وزارة التجارة الصينية فتح تحقيق رسمي في صفقة استحواذ شركة “ميتا” (Meta) الأميركية على شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة “مانوس” (Manus). يأتي هذا التحقيق وسط مخاوف متزايدة بشأن نقل التكنولوجيا الحساسة والسيطرة على الذكاء الاصطناعي، مما يعكس التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في هذا المجال الحيوي.
أثارت الصفقة، التي قدرت قيمتها بنحو ملياري دولار، حفيظة السلطات الصينية التي رأت فيها تهديدا لأمنها القومي واستنزافا للعقول التقنية الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي. وتعتبر هذه الخطوة بمثابة إشارة قوية من بكين إلى أنها لن تتسامح مع أي محاولة للاستحواذ على شركات التكنولوجيا الصينية أو نقل التكنولوجيا الأساسية إلى الخارج.
ما هي شركة “مانوس” (Manus)؟
تعد “مانوس” واحدة من أسرع الشركات الناشئة نموا في العالم، إذ تتخصص في تطوير “وكلاء الذكاء الاصطناعي” (AI Agents) القادرين على تنفيذ مهام رقمية معقدة بشكل مستقل، مثل تحليل الأسهم، وإدارة المشاريع البرمجية، وإجراء مقابلات العمل. وقد اكتسبت الشركة شهرة واسعة بفضل تقنياتها المبتكرة في مجال التعلم الآلي ومعالجة اللغة الطبيعية.
ورغم انتقال مقر الشركة مؤخرا إلى سنغافورة، إلا أن جذورها وفريقها الهندسي الأساسي وتقنياتها الأولية نشأت بالكامل في الصين. هذا الانتقال أثار شكوكًا في بكين حول دوافع الشركة الحقيقية، وما إذا كان يهدف إلى التهرب من الرقابة الصينية.
محاور التحقيق الثلاثة
أكد المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية أن التحقيق سيتم مع الشركة و سيركز على 3 محاور قانونية رئيسية. يهدف التحقيق إلى تحديد ما إذا كانت الصفقة تتوافق مع القوانين واللوائح الصينية المتعلقة بالصادرات والاستثمارات الأجنبية.
- مراقبة الصادرات: التحقق مما إذا كانت التكنولوجيا التي طورتها “مانوس” داخل الأراضي الصينية قد نقلت إلى “ميتا” دون الحصول على تراخيص تصدير رسمية، وفقا لقائمة التقنيات المقيدة الصادرة في يوليو/تموز 2025.
- ظاهرة “غسيل الهوية السنغافوري” (Singapore Washing): تشتبه بكين في أن انتقال مقر الشركة إلى سنغافورة كان “مناورة” للالتفاف على الرقابة الصينية وتسهيل الاستحواذ الأميركي، وهو ما تصفه السلطات بـ “غسيل الهوية التقني”.
- لوائح الاستثمارات الخارجية: مراجعة كيفية خروج المستثمرين الصينيين الأوائل مثل شركة “تنسنت” من الصفقة، ومدى توافق ذلك مع ضوابط الاستثمار العابر للحدود.
رسالة حازمة: “المواهب ليست للبيع”
ويرى محللون أن التحقيق يحمل رسالة سياسية تتجاوز المراجعة القانونية، إذ تسعى بكين لوضع حد لـ “نزيف الأدمغة” التقني. وتشير التقديرات إلى أن الصين فقدت عددًا كبيرًا من الكفاءات في مجال الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة، مما أثار قلقًا بالغًا لدى الحكومة الصينية.
في هذا السياق، يرى خبراء اقتصاديون أن الأمن القومي بات الأولوية القصوى لصناع القرار في الصين، وأن أي نقل للتكنولوجيا أو المواهب قد يمنح الولايات المتحدة ميزة تنافسية سيخضع لتدقيق صارم. وتعتبر بكين أن الذكاء الاصطناعي هو مفتاح التفوق الاقتصادي والعسكري في المستقبل.
من جانبها، سعت “ميتا” لتهدئة المخاوف الصينية والأميركية على حد سواء، مؤكدة نيتها قطع كافة علاقات “مانوس” بالصين بعد إتمام الصفقة، بما في ذلك إغلاق العمليات هناك ونقل الموظفين الأساسيين إلى مقراتها العالمية. وتأمل الشركة في إقناع السلطات الصينية بأنها ملتزمة بالامتثال للقوانين واللوائح المحلية.
النتائج المحتملة للتحقيق
- الموافقة المشروطة: فرض قيود على استخدام الخوارزميات المطورة في الصين، أو منع نقل “أوزان النماذج” (Model Weights) الأصلية.
- التجميد الطويل: إطالة أمد التحقيق لعدة أشهر، مما يعطل خطط “ميتا” لدمج تقنيات “مانوس” في “واتساب” و”فيسبوك” ونظاراتها الذكية.
- المنع الكامل: وهو السيناريو الأبعد احتمالا، لكنه يظل مطروحا إذا اعتبرت بكين التقنية حيوية للدفاع الوطني.
يمثل هذا التحقيق اختبارا حقيقيا لقدرة الشركات الناشئة على “العولمة” في ظل التوترات بين القوى العظمى، ويطرح سؤالا جوهريا حول قدرة “ميتا” على ضم “عقل” مانوس، بينما تكافح بكين لإبقاء “خزان مواهبها” تحت سيادتها. من المتوقع أن يستمر التحقيق لعدة أسابيع أو أشهر، مع احتمال تمديده إذا لزم الأمر. سيكون من المهم مراقبة رد فعل كل من “ميتا” والحكومة الصينية، بالإضافة إلى التطورات في مجال التكنولوجيا المتقدمة بشكل عام.

