هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

أعاد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، خلال تجمعات حاشدة مؤخراً، إلى الواجهة قضية سد النهضة الإثيوبي، مدعياً أن الولايات المتحدة قدمت تمويلاً لبنائه. وصف ترامب هذا التمويل بأنه “صفقة سيئة” و”أمر فظيع” يضر بمصالح مصر من خلال تقليل تدفق المياه من نهر النيل. وقد أثارت تصريحاته ردود فعل واسعة في مصر والمنطقة، مع تساؤلات حول صحة ادعاءاته وتأثيرها المحتمل على المفاوضات المتعثرة حول السد.
جاءت هذه التصريحات في سياق انتقادات ترامب لسياسات الإدارة الأمريكية الحالية في الشرق الأوسط وأفريقيا. ولم يقدم ترامب تفاصيل محددة حول حجم أو طبيعة التمويل الذي يدعي أن الولايات المتحدة قدمته لـ سد النهضة، لكنه أكد على أن هذا الدعم كان خطأً استراتيجياً. وتعتبر قضية سد النهضة من القضايا الشائكة التي تهدد الأمن المائي المصري.
الخلاف حول سد النهضة: جذور الأزمة وتصعيدها
يعود الخلاف حول سد النهضة الإثيوبي إلى عام 2011، عندما بدأت إثيوبيا في بناء السد على النيل الأزرق، أحد روافد نهر النيل الرئيسي. تخشى مصر من أن يؤدي ملء السد إلى تقليل حصتها السنوية من المياه، التي تعتمد عليها بشكل كبير في الزراعة والشرب والصناعة. تعتبر مصر النيل شريان حياتها، وأي تقليل في تدفق المياه يمثل تهديداً وجودياً.
موقف مصر من بناء السد
لطالما أكدت مصر على حقها في الحصول على حصتها العادلة من مياه النيل، بناءً على الاتفاقيات الدولية المعمول بها، وعلى رأسها اتفاقية 1959. وتطالب مصر بآلية ملء وتشغيل السد تضمن عدم الإضرار بأمنها المائي. كما تشدد على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يحدد قواعد إدارة السد في جميع الظروف.
موقف إثيوبيا من بناء السد
تصر إثيوبيا على أن السد ضروري لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتوفير الكهرباء لمواطنيها. وتؤكد أن السد لن يضر بمصر أو السودان، وأنها ملتزمة بالتعاون معهما لإيجاد حلول مرضية للجميع. ترى إثيوبيا أن لها الحق في استخدام مواردها المائية لتحسين حياة شعبها.
التمويل الأمريكي المزعوم وتأثيره المحتمل
ادعاء الرئيس ترامب بتمويل الولايات المتحدة لـ سد النهضة أثار جدلاً واسعاً. حتى الآن، لم يصدر تأكيد رسمي من الحكومة الأمريكية حول هذا الادعاء. ومع ذلك، تشير بعض التقارير الإعلامية إلى أن الولايات المتحدة قدمت دعماً فنياً ولوجستياً لإثيوبيا في مراحل معينة من بناء السد، لكنها نفت تقديم تمويل مباشر.
إذا ثبت صحة ادعاء ترامب بتقديم تمويل مباشر، فقد يؤدي ذلك إلى تعقيد المفاوضات بشكل أكبر. قد تعتبر مصر ذلك بمثابة تحيز أمريكي لإثيوبيا، وتقويضاً لمصالحها. في المقابل، قد ترى إثيوبيا في ذلك اعترافاً ضمنياً بأحقيتها في بناء السد.
في السنوات الأخيرة، لعبت الولايات المتحدة دوراً في الوساطة بين مصر وإثيوبيا والسودان للتوصل إلى اتفاق حول سد النهضة. وقد شهدت المفاوضات عدة جولات برعاية أمريكية، لكنها لم تسفر عن نتائج ملموسة.
المفاوضات المتعثرة والجهود الإقليمية والدولية
توقفت المفاوضات الثلاثية بين مصر وإثيوبيا والسودان بشكل فعلي منذ عام 2021، على الرغم من الجهود الإقليمية والدولية المتواصلة لإعادة إحيائها. تصر إثيوبيا على المضي قدماً في ملء السد، بينما ترفض مصر والسودان ذلك إلا بعد التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم.
وقد سعت دول أخرى، مثل الاتحاد الأفريقي، إلى لعب دور الوسيط في الأزمة. لكن هذه الجهود لم تحقق أيضاً تقدماً كبيراً.
تعتبر قضية المياه من القضايا الحساسة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. وتشكل سد النهضة تحدياً كبيراً للأمن الإقليمي، حيث تهدد بتفاقم التوترات بين الدول المتشاطئة.
تداعيات محتملة على الأمن المائي الإقليمي
يخشى مراقبون من أن يؤدي ملء السد وتشغيله دون اتفاق مع مصر والسودان إلى نشوب صراعات حول المياه. قد تضطر مصر إلى اتخاذ إجراءات مضادة لحماية حصتها من المياه، مما قد يؤدي إلى تصعيد التوترات مع إثيوبيا.
بالإضافة إلى ذلك، قد يؤثر بناء السد على البيئة والنظام الإيكولوجي لنهر النيل. قد يؤدي إلى تدهور الأراضي الزراعية، ونقص المياه في مناطق أخرى، وتأثيرات سلبية على الثروة السمكية.
في المقابل، يرى البعض أن السد يمكن أن يكون له فوائد إيجابية للمنطقة، مثل توفير الكهرباء، وتحسين الري، والحد من الفيضانات. لكن تحقيق هذه الفوائد يتطلب تعاوناً وثيقاً بين الدول المتشاطئة، والتوصل إلى اتفاق عادل ومستدام.
من المتوقع أن تستمر الجهود الدبلوماسية والإقليمية والدولية لإيجاد حل لأزمة سد النهضة. ومن المقرر عقد اجتماع جديد للوزراء المعنيين بقضية المياه في أقرب وقت ممكن، برعاية دولة لم يتم تحديدها بعد. يبقى التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم هو المفتاح لتجنب التصعيد وضمان الأمن المائي للجميع.

