من الويب المفتوح إلى الانترنت المغلق.. التحول التقني أثناء النزاع

لم يعد الإنترنت مجرد فضاء سحابي عابر للحدود، بل تحول إلى “جغرافيا سياسية جديدة” تخضع لقوانين القوة والسيطرة. ومع تصاعد النزاعات الجيوسياسية، برز مفهوم “الإنترنت المجزأ” كواقع تقني ينهي أسطورة الويب المفتوح. وتعد الحالة الإيرانية الراهنة النموذج الأكثر تعقيدا لهذا التحول، حيث انتقلت الدولة من مرحلة “الرقابة على المحتوى” إلى مرحلة “التعتيم الرقمي الشامل”، موظفة ترسانة من التقنيات لغلق الحدود الافتراضية.
وتؤكد التقارير الصادرة عن منظمة نت بلوكس (NetBlocks) البريطانية أن ما تشهده إيران ليس مجرد انقطاع تقني، بل هو عملية “عزل رقمي” هي الأطول منذ أحداث الربيع العربي، حيث تجاوزت مدة التعتيم ألف ساعة. هذا العزل الرقمي يثير تساؤلات حول مستقبل حرية المعلومات وحقوق الإنسان في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية.
الإنترنت المجزأ: تحييد التدخلات الخارجية والذكاء الاصطناعي
وتوضح البيانات انتقال السلطات من أسلوب الحجب التقليدي إلى تفعيل “شبكة المعلومات الوطنية” (إن آي إن)، وهي بنية تحتية محلية تتيح استمرار الخدمات الأساسية للدولة مع قطع الاتصال تماما بالخوادم الدولية، مما يخلق بيئة معلوماتية مغلقة تخضع لرقابة مشددة. هذه الخطوة تهدف إلى تعزيز “السيادة الرقمية” الإيرانية.
وفق مختبرات “سيتيزن لاب” الكندية، فقد استخدمت التقنيات الإيرانية “فحص الحزم العميقة” (دي بي آي) لتعطيل بروتوكولات التشفير ومنصات تداول البيانات الضخمة. فيما يشير تقرير لموقع تيك كرنش التقني الأمريكي إلى أن هذا الإغلاق استهدف أيضا منع تدفق البيانات إلى نماذج الذكاء الاصطناعي ومنصات مثل غروكيبيديا (Grokipedia)، التي تستخدم في التوثيق اللحظي للنزاعات، وذلك لضمان عدم خروج الرواية الميدانية عن السيطرة أو استخدامها في حملات ضغط دولية تعتمد على التحليل التقني المتقدم.
استهداف منصات التوثيق الرقمي
يأتي هذا الاستهداف في سياق سعي إيران للسيطرة على السرد الإعلامي ومنع انتشار معلومات قد تعتبرها ضارة بمصالحها. وتشير التحليلات إلى أن الحكومة الإيرانية تعتبر التوثيق المستقل للنزاعات تهديدا لأمنها القومي.
الإنترنت كأداة لحماية الجبهة الداخلية
من وجهة نظر استراتيجية، اعتبرت الدوائر الأمنية الإيرانية أن هذا الانقطاع يمثل عاملا حاسما في الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية. فمن خلال السيطرة المطلقة على تدفق المعلومات، تمكنت الحكومة من منع “الحرب النفسية” الموجهة من الخارج، وتقويض قدرة التنظيمات المعارضة على التنسيق الميداني عبر المنصات المشفرة. هذا يعكس تحول الإنترنت من أداة تواصل إلى ساحة صراع.
وترى تقارير محلية أن هذا الإجراء كان “ضرورة أمنية” لمنع زعزعة الاستقرار الداخلي وحماية الأمن القومي من التدخلات الرقمية العابرة للحدود التي قد تستغل الثغرات المعلوماتية لإثارة الفوضى. الأمن السيبراني أصبح أولوية قصوى في السياسة الإيرانية.
التبعات الاقتصادية للعزل الرقمي
على الرغم من نجاح هذا التكتيك في احتواء الاضطرابات، إلا أن التكلفة الاقتصادية كانت باهظة، حيث تقدر أداة “كوست أوف شات داون” (Cost of Shutdown) خسائر الاقتصاد الإيراني بملايين الدولارات يوميا نتيجة توقف التجارة الإلكترونية الدولية. هذا يشير إلى وجود مفاضلة بين الأمن والاستقرار الاقتصادي.
المواجهة التقنية في الفضاء
في المقابل، رصدت تقارير من شركة سبيس إكس الأمريكية محاولات حثيثة لخرق هذا الحصار الرقمي عبر الإنترنت الفضائي. إلا أن الرد التقني كان عبر نشر منظومات تشويش أرضية متطورة في المدن الكبرى، وهو ما أكدته وكالة رويترز، مما جعل الوصول إلى الشبكة العالمية مغامرة تقنية عالية التكلفة والصعوبة. هذا الصراع يعكس تحول الإنترنت من أداة تواصل إنساني إلى ساحة معركة حقيقية.
وتشير التحليلات إلى أن إيران تستثمر بشكل كبير في تطوير قدراتها في مجال التشويش الإلكتروني بهدف الحفاظ على سيطرتها على الفضاء الرقمي. الحرب الإلكترونية أصبحت جزءا لا يتجزأ من الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية.
وبينما تمتلك الولايات المتحدة أدوات ضغط هائلة نظرا لمركزيتها في إدارة “خوادم الجذر” (Root Servers) والتحكم في كبريات شركات تزويد الخدمة من المستوى الأول (Tier-1)، فإن أي عزل كامل لإيران من الشبكة العالمية يواجه عوائق معقدة بسبب تشابك مسارات الكابلات البحرية الحيوية في مضيق هرمز.
من المتوقع أن تستمر هذه المواجهة التقنية في التطور، مع سعي إيران لتعزيز “شبكتها الوطنية” الموازية وتطوير قدراتها في مجال التشويش الإلكتروني، بينما تحاول القوى الدولية إيجاد طرق للوصول إلى المعلومات ومنع انتشار المعلومات المضللة. من المرجح أن يشهد الربع الأول من عام 2027 تصعيدا في هذه المواجهة، مع احتمال فرض عقوبات إضافية على الشركات المتورطة في تطوير البنية التحتية الرقمية الإيرانية.

