Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اخبار الاقتصاد

استعادة قناة السويس عافيتها “هدية” لسوق السلع في 2026

شهدت صناعة شحن البضائع حول العالم سلسلة من التحديات منذ بداية الألفية الجديدة، ووصلت هذه التحديات إلى ذروتها مع الاضطرابات المستمرة في مسار البحر الأحمر وقناة السويس منذ نوفمبر 2023. وبينما لا يمكن الجزم بالتفاؤل، تشير التقديرات إلى احتمال إعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي بحلول عام 2026، مما قد يؤدي إلى خفض تكاليف النقل وتخفيف الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية المتأثرة.

تعتبر قناة السويس شرياناً تجارياً هاماً، حيث يمر عبرها حوالي 15% من حجم التجارة العالمية من السلع، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى ما يقارب 30% فيما يتعلق بحركة حاويات الشحن. تأثرت حركة التجارة العالمية بشكل كبير بسبب هذه الاضطرابات، مما دفع شركات الشحن إلى البحث عن طرق بديلة.

لماذا تعطلت حركة الشحن في قناة السويس؟

بدأت المشكلات في التفاقم في نوفمبر 2023، عندما بدأت جماعة الحوثي اليمنية في استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر، بالقرب من المدخل الجنوبي للقناة. وقد أسفرت هذه الهجمات عن إغراق ما لا يقل عن أربع سفن، وإحراق أخرى، بالإضافة إلى وقوع إصابات ووفيات بين أفراد الطواقم.

نتيجة لهذه التهديدات، اضطرت شركات الشحن إلى تغيير مساراتها والتحول إلى الدوران حول الطرف الجنوبي لأفريقيا، مما أضاف حوالي 10 أيام إضافية لرحلات الشحن بين آسيا وأوروبا، وتسبب في زيادة التكاليف بملايين الدولارات. تشير تقديرات بنك “آي إن جي” إلى أن حوالي 6% من طاقة الأسطول العالمي للشحن قد تأثرت بهذا التحويل في المسار.

جاء هذا التعطيل بعد فترة عصيبة شهدتها صناعة الشحن على مدار السنوات الخمس الماضية، والتي تضمنت تداعيات جائحة كوفيد-19، والتوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وجنوح السفينة “إيفر جيفن” في قناة السويس عام 2021. كما أثرت مشكلات الجفاف في قناة بنما خلال عامي 2023 و2024 على حركة الملاحة بين المحيطين الأطلسي والهادئ.

شهدت هجمات الحوثيين تراجعاً ملحوظاً بعد رعاية الولايات المتحدة لاتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة في أواخر سبتمبر. وعلى الرغم من هشاشة هذا الاتفاق، فإن استمراره قد يسمح بعودة تدريجية لحركة الملاحة عبر هذه الممرات المائية الهامة.

اختبارات محدودة لتقييم الوضع

رغم ذلك، تؤكد كبرى شركات الشحن وتجار السلع العالميين أن العودة إلى قناة السويس ليست خياراً مطروحاً بشكل كامل حتى الآن. إلا أن العديد من هذه الشركات بدأت في إجراء اختبارات سرية للوضع، من خلال إرسال سفن منفردة، بما في ذلك بعض أكبر سفن الحاويات في العالم، عبر البحر الأحمر لتقييم المخاطر المحتملة.

تشير البيانات التي جمعتها وكالة بلومبرغ إلى أن عدد السفن العابرة للقناة في شهر نوفمبر الماضي كان الأعلى منذ أكثر من عام ونصف. وقد عبرت هذه السفن حتى الآن دون وقوع أي حوادث.

شركة “سي إم إيه سي جي إم” الفرنسية، وهي ثالث أكبر شركة شحن في العالم، أعلنت أنها ستلتزم اعتباراً من بداية عام 2026 بخدمة منتظمة من الهند إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة عبر مسار قناة السويس، للمرة الأولى منذ عامين. وتشير تقارير أخرى إلى أن شركات أخرى تتخذ خطوات مماثلة، ولكنها تفضل عدم الكشف عن تفاصيل جداولها.

صرح فينسنت كليرك، الرئيس التنفيذي لشركة “ميرسك”، الشهر الماضي بأن “استمرار وقف إطلاق النار سيمثل خطوة مهمة نحو العودة إلى الشحن عبر البحر الأحمر”.

مخاوف رئيسية تعيق العودة الكاملة

على الرغم من هذه التطورات الإيجابية، لا تزال هناك ثلاثة أسباب رئيسية تدعو إلى الحذر. أولاً، العلاقة الوثيقة بين الوضع في اليمن والوضع في غزة، حيث أن استمرار الهدوء في البحر الأحمر يعتمد بشكل كبير على استدامة السلام بين إسرائيل وحماس. ثانياً، تجنب شركات الشحن لما يُعرف بـ”الاضطراب المزدوج”، أي خطر العودة المبكرة إلى البحر الأحمر ثم الاضطرار إلى التحول مرة أخرى إلى المسار الطويل حول أفريقيا في حال استئناف الهجمات.

ويرى مسؤولون في القطاع أن اختبار مسار قناة السويس عبر رحلات محدودة قد يستمر لمدة تصل إلى ستة أشهر قبل التفكير في استئناف كامل. السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن تستمر سفن الحاويات في الإبحار حول أفريقيا عند مغادرتها آسيا متجهة إلى أوروبا، حيث تكون الجداول الزمنية حاسمة، بينما قد تختبر مسار السويس في رحلة العودة إلى آسيا، حيث تكون الحمولة أقل والتوقيت أقل حساسية.

ثالثاً، بقاء تكاليف التأمين على الملاحة في البحر الأحمر عند مستويات مرتفعة، مما يقلل من الجدوى الاقتصادية لهذا المسار. بالإضافة إلى ذلك، انخفضت أسعار الوقود إلى أدنى مستوى لها في خمس سنوات، لتصل إلى حوالي 350 دولاراً للطن المتري، مقارنة بذروة تجاوزت 500 دولار في عام 2003، مما يقلل من تكلفة الإبحار حول أفريقيا.

عوامل إضافية تؤثر على القرار

ذكر كونستانتين باك، الرئيس التنفيذي لشركة “إم بي سي كونتينر شيبس” للمستثمرين مؤخراً أن “العودة إلى المسارات الطبيعية ستستغرق عدة فصول، وتتطلب موازنة بين الأمن والتأمين وتعديلات الشبكة واحتمالات الازدحام وغيرها”.

هناك عامل رابع غير معلن، وهو التأثير المحتمل على الأرباح. فبمجرد إعادة فتح القناة، من المتوقع أن تنخفض أسعار الشحن بشكل كبير، حيث لن تكون هناك حاجة إلى الطاقة الإضافية التي استخدمت لتغطية المسافات الأطول حول أفريقيا.

وقد بدأت بالفعل تكاليف شحن الحاويات في الانخفاض، حيث انخفض المؤشر المرجعي للقطاع إلى حوالي 2000 دولار للحاوية القياسية بحجم 12 متراً، مقارنة بنحو 4000 دولار في بداية العام وأكثر من 10 آلاف دولار خلال ذروة عام 2021، وفقاً لمؤشر “درويري العالمي لشحن الحاويات”. ومن المرجح أن يستمر هذا الانخفاض إذا تحسنت الأوضاع اللوجستية.

قد تؤدي عودة حركة الشحن إلى قناة السويس أيضاً إلى ضغوط على أسعار النفط، مع انخفاض استهلاك الوقود الناتج عن الإبحار حول أفريقيا. كما قد تؤثر على أسعار السلع الأخرى، مع تراجع المخاطر المحتملة على سلاسل الإمداد التي دفعت الشركات إلى الاحتفاظ بمخزونات أكبر كإجراء وقائي.

بعد خمس سنوات من الاضطرابات، يفضل العديد من المديرين التنفيذيين في قطاع شحن البضائع توخي الحذر وعدم المبالغة في التفاؤل بشأن فرص إعادة فتح مسار البحر الأحمر. ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى وجود بصيص أمل في نهاية هذا النفق المظلم، مع توقعات بمزيد من الاختبارات والتقييمات في الأشهر القادمة. سيكون من المهم مراقبة تطورات الوضع الأمني في المنطقة، بالإضافة إلى أسعار التأمين والوقود، لتقييم مدى سرعة عودة قناة السويس إلى العمل بكامل طاقتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *