لماذا ابتعد داوود عبدالسيد عن السينما قبل رحيله بسنوات؟

:
شهد الوسط الفني في مصر والعالم العربي صدمة كبيرة اليوم السبت، 27 ديسمبر 2025، بوفاة المخرج السينمائي الكبير داوود عبد السيد. يُعدّ عبد السيد من أبرز صناع السينما المصرية، وترك وراءه إرثًا فنيًا غنيًا من الأفلام التي تناولت قضايا اجتماعية وإنسانية مهمة، مما جعل رحيله خسارة فادحة للسينما العربية. هذه النبأ أثار حزنًا واسعًا بين الفنانين والنقاد والجمهور.
توفي المخرج داوود عبد السيد بعد صراع مع المرض، وفقًا لما أعلنه عدد من الفنانين عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لم يتم الإعلان عن تفاصيل الجنازة أو موعدها حتى الآن، لكن من المتوقع أن يحظى تشييع الجثمان بحضور مكثف من نجوم الفن والإعلام.
رحيل قامة سينمائية: داوود عبد السيد وتأثيره على السينما المصرية
داوود عبد السيد، المولود في 17 يناير 1947، ترك بصمة واضحة في تاريخ السينما المصرية على مدار عقود. تميزت أفلامه بالواقعية والجرأة في طرح القضايا الاجتماعية، بالإضافة إلى قدرته الفائقة على استخراج أفضل أداء من الممثلين. بدأ عبد السيد مسيرته الفنية كمساعد مخرج قبل أن يتجه إلى الإخراج ويقدم سلسلة من الأفلام الناجحة التي نالت استحسان النقاد والجمهور على حد سواء.
من أبرز أعماله فيلم “الصعاليك” (1985) الذي سلط الضوء على حياة المهمشين في المجتمع، وفيلم “الكيت كات” (1991) الذي يعتبر من أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، وتناول قضايا الطفولة والفقر. كما قدم أفلامًا مهمة أخرى مثل “أرض الأحلام” (1993) و”أرض الخوف” (2000) و”بعد الموقعة” (2003) و”قدرات غير عادية” (2015)، وهو آخر أعماله السينمائية.
تغيرات السينما وأسباب الابتعاد
في السنوات الأخيرة، قلّت مشاريع داوود عبد السيد السينمائية. وكان قد صرح في مقابلات سابقة بأنه يشعر بأن السينما المصرية قد تغيرت، وأن الأفلام التي كان يقدمها كانت تستهدف شريحة معينة من الجمهور، وهي الطبقة المتوسطة التي اختفت أو تضاءلت تأثيرها. وأشار إلى أن الجمهور لم يعد مستعدًا لدفع مبالغ كبيرة لمشاهدة أفلامه التي تعتمد على القصة والمعالجة الدرامية بعيدًا عن الإبهار البصري.
وأضاف عبد السيد أنه لم يعد يجد نفسه في السينما التجارية السائدة، وأن العقلية التي كانت سائدة في جيله قد تغيرت. وأكد أنه لم يكن متحمسًا للعودة إلى السينما، وأنه لم يكن لديه أي مشاريع جديدة قيد الإعداد. هذا الابتعاد أثار جدلاً واسعًا في الأوساط الفنية، حيث اعتبره البعض خسارة للسينما المصرية، بينما رأى فيه آخرون قرارًا شخصيًا يحترم.
لم يقتصر تأثير داوود عبد السيد على الإخراج فقط، بل امتد إلى اكتشاف وتأهيل العديد من المواهب الشابة في التمثيل والكتابة والإنتاج. كان يؤمن بأهمية دعم السينما المستقلة وتشجيع التجارب الجديدة. كما كان له دور فعال في تطوير النقاش حول قضايا السينما المصرية وتحدياتها.
وفاة المخرج داوود عبد السيد تمثل خسارة كبيرة للثقافة العربية، حيث فقدت السينما أحد أهم روادها وصناعها. أفلامه ستظل خالدة في ذاكرة الأجيال القادمة، وستستمر في إلهام المخرجين والفنانين.
السينما المصرية تشهد حاليًا تحولات كبيرة في الإنتاج والتوزيع، مع تزايد الاهتمام بالأعمال التي تستهدف الجمهور الشاب. داوود عبد السيد كان يمثل جيلًا من المخرجين الذين اهتموا بقضايا المجتمع وتقديم أفلام ذات قيمة فنية وثقافية. صناعة السينما في مصر تواجه تحديات كبيرة، بما في ذلك ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الإقبال على دور السينما. الأفلام المصرية لا تزال تحظى بشعبية كبيرة في العالم العربي، ولكنها تحتاج إلى دعم وتشجيع لكي تتمكن من المنافسة على المستوى الدولي.
من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة إقامة العديد من الفعاليات لتأبين المخرج الراحل، وأن يتم عرض أفلامه في دور السينما والمهرجانات السينمائية. كما من المرجح أن يتم إصدار كتب ومقالات تتناول مسيرته الفنية وإسهاماته في السينما المصرية والعربية. يبقى أن نرى كيف ستتعامل الأجيال القادمة من المخرجين مع إرث داوود عبد السيد، وهل ستتمكن من تقديم أفلام تضاهي أفلامه في الجودة والقيمة الفنية.
الجدير بالذكر أن هناك اهتمامًا متزايدًا بأعمال المخرجين المصريين القدامى، حيث يتم ترميم أفلامهم وعرضها في المهرجانات السينمائية الدولية. هذا الاهتمام يعكس الاعتراف بأهمية هذه الأفلام في تاريخ السينما العربية، وضرورة الحفاظ عليها للأجيال القادمة.

