«اتفاق مسقط» للمحتجزين يفتح نافذة إنسانية وسط تفاؤل يمني حذر

أعلنت الأطراف اليمنية المتنازعة، برعاية سلطنة عُمان، عن اتفاق في العاصمة مسقط لتبادل ما يقرب من 2900 محتجز من الطرفين. ويأتي هذا الاتفاق، الذي يمثل خطوة هامة نحو حل أزمة الأسرى اليمنيين، بعد مفاوضات مكثفة استمرت لعدة أيام. ومن المتوقع أن يبدأ تنفيذ الاتفاق في غضون أسابيع، مما يثير آمالًا جديدة لدى اليمنيين بلم شمل عائلاتهم.
تم التوصل إلى الاتفاق في 23 مايو 2024، بحضور وفد من اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى والمعتقلين برئاسة عبد القادر المرتضى، وممثلين عن التحالف اليمني بقيادة الرئيس رشاد العليمي. ويهدف الاتفاق إلى تبادل جميع الأسرى والمعتقلين المدنيين والعسكريين من الطرفين، وفقًا لمبدأ “الكل مقابل الكل”، الذي طالما دعت إليه الأمم المتحدة.
آفاق جديدة لملف الأسرى اليمني
يمثل اتفاق مسقط بارقة أمل في ملف الأسرى اليمنيين الذي ظل معلقًا لسنوات طويلة، متسببًا في معاناة إنسانية كبيرة لعائلاتهم. وتقدر أعداد المحتجزين في سجون الأطراف المتنازعة بآلاف الأشخاص، بما في ذلك مدنيون تعرضوا للاعتقال التعسفي بسبب الأحداث الجارية في اليمن.
خلفية أزمة الأسرى في اليمن
بدأت أزمة الأسرى في اليمن مع تصاعد الصراع في عام 2015، حيث أسر كل طرف أفرادًا من الطرف الآخر. وقد أدت الحرب إلى تفكك مؤسسات الدولة، مما أدى إلى صعوبة في تحديد هوية المحتجزين وتوثيق حالاتهم. كما أن عدم وجود آلية واضحة للتبادل أدى إلى تأخير حل هذا الملف الإنساني.
وقد بذلت الأمم المتحدة جهودًا حثيثة للوساطة بين الأطراف اليمنية للتوصل إلى اتفاق لتبادل الأسرى. وشملت هذه الجهود إطلاق مبادرات متعددة، وتنظيم جولات مفاوضات، وتقديم الدعم اللوجستي لتسهيل عملية التبادل. لكن هذه الجهود لم تسفر عن نتائج ملموسة حتى الآن.
يعتبر تبادل الأسرى خطوة مهمة نحو بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة، وتهيئة الأجواء لحل سياسي شامل للأزمة اليمنية. كما أنه يعكس التزام الأطراف اليمنية بالقانون الإنساني الدولي، الذي يضمن حقوق الأسرى والمعتقلين.
تفاصيل الاتفاق وآلية التنفيذ
ينص الاتفاق على تبادل 2900 محتجز، موزعين بين الحوثيين والحكومة اليمنية. وتشمل هذه الأعداد الأسرى من مختلف الرتب العسكرية، بالإضافة إلى المعتقلين المدنيين. ووفقًا للاتفاق، ستقوم الأطراف بتسليم قوائم نهائية بأسماء المحتجزين إلى لجنة الوساطة العمانية خلال فترة زمنية محددة.
وستتولى اللجنة العمانية التحقق من صحة القوائم، والتنسيق مع الأطراف لتحديد آليات ومواعيد التسليم. كما ستقوم اللجنة بتوفير الدعم اللوجستي اللازم لعملية التبادل، بما في ذلك توفير الطائرات والمواقع الآمنة للتسليم. وتشير التقارير إلى أن عملية التبادل ستتم على مراحل، بدءًا بالأسرى الأكثر ضعفًا من الناحية الإنسانية.
أكدت وزارة حقوق الإنسان اليمنية على أهمية هذا الاتفاق، مشيرة إلى أنه يمثل خطوة إيجابية نحو تخفيف المعاناة الإنسانية التي يعيشها الشعب اليمني. ودعت الوزارة الأطراف إلى الالتزام الكامل بتنفيذ الاتفاق، وضمان سلامة المحتجزين المتبادلين.
في المقابل، أعربت بعض المنظمات الحقوقية عن تفاؤلها الحذر بشأن الاتفاق، مطالبة بتقديم ضمانات أممية قوية لضمان تنفيذه بشكل كامل وشفاف. وتخشى هذه المنظمات من أن الاتفاق قد لا يطبق على أرض الواقع، أو أن يتم استغلاله لأغراض سياسية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك قلق بشأن مصير الأسرى الذين لم يتم تضمينهم في الاتفاق. وتشير التقديرات إلى أن هناك مئات الأسرى الآخرين الذين لم يتم تحديد هوياتهم أو أماكن احتجازهم. وتدعو المنظمات الحقوقية إلى بذل جهود إضافية لتحديد هؤلاء الأسرى، وإدراجهم في أي اتفاقات مستقبلية للتبادل.
تعتبر قضية المعتقلين في اليمن جزءًا لا يتجزأ من الأزمة الإنسانية الشاملة التي يعاني منها البلاد. فقد أدت الحرب إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتفشي الأمراض، ونقص الغذاء والدواء. ووفقًا للأمم المتحدة، يحتاج أكثر من 20 مليون يمني إلى المساعدة الإنسانية.
ويرى مراقبون أن نجاح اتفاق مسقط قد يشجع الأطراف اليمنية على الانخراط في مفاوضات جادة لإنهاء الحرب بشكل دائم. كما أنه قد يساهم في تحسين الأوضاع الإنسانية في البلاد، وتوفير فرصة لإعادة الإعمار والتنمية.
ومع ذلك، لا يزال هناك العديد من التحديات التي تعيق عملية السلام في اليمن. وتشمل هذه التحديات الخلافات السياسية العميقة بين الأطراف المتنازعة، وتدخل القوى الإقليمية والدولية، وتصاعد العنف في بعض المناطق.
الخطوة التالية المتوقعة هي تشكيل لجان فرعية من قبل الأطراف اليمنية، بالتنسيق مع سلطنة عمان والأمم المتحدة، لتحديد آليات تنفيذ الاتفاق، بما في ذلك تحديد نقاط التبادل، وتوفير وسائل النقل، وضمان سلامة المحتجزين. ومن المفترض أن يتم الانتهاء من هذه اللجان خلال أسبوعين.
يبقى مستقبل تنفيذ هذا الاتفاق معلقًا على التزام الأطراف المتنازعة بالاتفاق، وعلى قدرة لجنة الوساطة العمانية على التغلب على التحديات اللوجستية والأمنية. ومن الضروري مراقبة التطورات على الأرض، وتقييم مدى تأثير الاتفاق على الأوضاع الإنسانية والسياسية في اليمن.

