مليارديرات الذكاء الاصطناعي الجدد الذين صنعوا ثرواتهم قبل منتجاتهم

مع استمرار صعود الذكاء الاصطناعي، نشهد ظاهرة غير مسبوقة في خلق ثروات جديدة بوتيرة سريعة. فبالإضافة إلى الأسماء المعروفة في قطاع التكنولوجيا، يظهر جيل جديد من المليارديرات، مدفوعًا بالاستثمارات الضخمة والتقييمات المرتفعة للشركات الناشئة المتخصصة في هذا المجال. هذا التحول يثير تساؤلات حول الاستدامة والآثار الاقتصادية لهذه الثروات السريعة.
وتشير التقارير إلى أن هذه الموجة من الثراء تذكرنا بفقاعة “الدوت كوم” في أواخر التسعينيات، حيث ارتفعت قيم الشركات بشكل كبير قبل أن تشهد تصحيحًا حادًا. وتؤكد تحليلات هارفارد بيزنس ريفيو على أهمية دراسة الطفرات التقنية السابقة لفهم المخاطر والفرص المحتملة في مجال الذكاء الاصطناعي.
ثروات تُصنع من التقييمات
من بين الأسماء الصاعدة في هذا المشهد، يبرز ألكسندر وانغ ولوسي غو، مؤسسا شركة سكايل إيه آي (Scale AI)، المتخصصة في تجميع البيانات وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. وقد قفزت قيمة الشركة بشكل ملحوظ بعد استثمار كبير من شركة ميتا، مما يعكس التنافس الشديد بين الشركات الكبرى لتأمين البنية التحتية اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي، وفقًا لوكالة رويترز.
كما شهد قطاع أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي نموًا مماثلًا، حيث انضم مؤسسو شركة كورسور (Cursor) إلى قائمة المليارديرات بعد جولة تمويل رفعت تقييم شركتهم (Anysphere) إلى حوالي 27 مليار دولار. ويعزى هذا الارتفاع إلى الطلب المتزايد على أدوات كتابة الشيفرات التي تعتمد على النماذج اللغوية الكبيرة، وهو اتجاه يعتبره خبراء الاستثمار في آندرسون هورويتز بمثابة “تحول افتراضي جديد” في صناعة البرمجيات.
الذكاء الاصطناعي يتجاوز البرمجة
لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على مجالات البرمجة وتجميع البيانات، بل يمتد ليشمل قطاعات أخرى متنوعة. فمحركات البحث الذكية مثل بيركسبيلتي (Perplexity) حققت نموًا كبيرًا في التقييمات، مما يشير إلى ثقة المستثمرين في قدرة هذه التقنيات على إعادة تعريف طريقة الوصول إلى المعلومات.
وفي مجال الروبوتات، جذبت شركة فيغر إيه آي (Figure AI) استثمارات ضخمة لتطوير روبوتات بشرية متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي. ويعتبر هذا المشروع من بين أكثر الرهانات طموحًا في مجال الذكاء الاصطناعي، على الرغم من التحديات التقنية والتكاليف العالية المرتبطة به، كما ذكر تقرير لغولمان ساكس.
شركات بمليارات دون منتجات
من الملاحظ أن بعض الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي حققت تقييمات عالية جدًا دون أن تطلق منتجات تجارية مكتملة حتى الآن. فشركة ثنكنغ ماشينز لاب (Thinking Machines Lab)، التي أسستها ميرا موراتي، وصلت إلى تقييمات بمليارات الدولارات خلال فترة قصيرة، مما يعكس التركيز المتزايد على الخبرات والقدرات التقنية بدلاً من المنتجات الملموسة، وفقًا لمجلة وايرد.
وينطبق الأمر نفسه على شركة سايف سوبر إنتليجينس (Safe Superintelligence)، التي أسسها إيليا سوتسكيفر، حيث جمعت الشركة استثمارات كبيرة في مرحلة البحث والتطوير، بهدف تطوير نماذج ذكاء اصطناعي “آمنة”. ويأتي هذا في سياق السباق العالمي نحو تحقيق تقدم في مجال الذكاء الاصطناعي مع ضمان سلامته وموثوقيته.
ثراء سريع ومخاطر كامنة
هذه الطفرة في الثروات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تثير تساؤلات حول مدى استدامتها. فالتقييمات المرتفعة تعتمد على توقعات النمو المستقبلية، وقد لا تتحقق هذه التوقعات بالكامل. وتحذر فاينانشال تايمز من أن سوق الذكاء الاصطناعي قد يشهد تصحيحًا في المستقبل، خاصة مع ارتفاع تكاليف البنية التحتية الحاسوبية وصعوبة تحقيق الربحية في بعض النماذج التجارية.
وتشير التحليلات إلى أن الفجوة بين “الضجة الاستثمارية” والعوائد الفعلية قد تتضح خلال السنوات القليلة القادمة، عندما يُطلب من هذه الشركات إثبات قدرتها على تحقيق إيرادات مستدامة. كما يلاحظ وجود محدودية في تنوع المؤسسين والقيادات في هذا المجال، حيث لا تزال النساء ممثلات تمثيلاً ناقصًا، وفقًا لتقارير كرانش بايس والمنتدى الاقتصادي العالمي.
من المتوقع أن يستمر الاستثمار في مجال الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة خلال العام المقبل، مع التركيز على تطوير تطبيقات جديدة في مجالات مثل الرعاية الصحية والتعليم والنقل. ومع ذلك، يجب على المستثمرين والشركات الناشئة أن يكونوا على دراية بالمخاطر المحتملة وأن يركزوا على بناء نماذج أعمال قوية ومستدامة. وسيكون من المهم مراقبة التطورات التنظيمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، حيث تسعى الحكومات في جميع أنحاء العالم إلى وضع إطار قانوني يحكم استخدام هذه التقنية.

