الأمم المتحدة تقر خفضاً حاداً في موازنة 2026 وسط اضطرابات مالية

أقرت الأمم المتحدة موازنة لعام 2026 بقيمة 3.45 مليار دولار، وهو ما يمثل خفضاً بنسبة 7% مقارنة بالعام الحالي. يأتي هذا القرار في ظل أزمة مالية حادة تواجه المنظمة، تفاقمت بسبب تأخر المساهمات المالية من بعض الدول الأعضاء، وعلى رأسها الولايات المتحدة. هذا الخفض في موازنة الأمم المتحدة سيؤثر على العديد من برامجها وأنشطتها، بما في ذلك تقليص عدد الوظائف.
صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثلاثاء لصالح الموازنة الجديدة، والتي تهدف إلى تغطية النفقات الإدارية والتشغيلية للمنظمة. يعكس هذا الإجراء محاولات الأمم المتحدة للتكيف مع الوضع المالي الصعب وإعطاء الأولوية للأنشطة الأساسية. وتشير التقديرات إلى أن هذا الخفض سيؤدي إلى إلغاء حوالي 2900 وظيفة في مختلف أجهزة الأمم المتحدة.
الأمم المتحدة تواجه أزمة سيولة حادة
أكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن الأزمة المالية لا تزال قائمة، وأن السيولة ضعيفة على الرغم من اعتماد الموازنة الجديدة. وأشار إلى أن حجم المتأخرات المالية غير مقبول، وأن هذا التحدي سيستمر في التأثير على عمل المنظمة. الموازنة المعتمدة أعلى بنحو 200 مليون دولار مما اقترحه غوتيريش في البداية، مما يعكس بعض المقاومة لخفض الإنفاق بشكل أكبر.
بدأ غوتيريش منذ أشهر في تنفيذ خطة لترشيد الإنفاق في الأمم المتحدة، وذلك استجابةً للضغوط المالية المتزايدة. تضمنت خطته الأولية خفض الموازنة بنحو 577 مليون دولار وتقليص الوظائف بنسبة 18%، لكن هذه الأرقام خُفضت في الموازنة النهائية. ويرجع السبب الرئيسي وراء هذه الإجراءات إلى المتأخرات المالية المتراكمة، والتي تعود بشكل كبير إلى الولايات المتحدة.
تأثير الديون الأميركية على عمل المنظمة
تعتبر الولايات المتحدة المساهم الأكبر في موازنة الأمم المتحدة العادية، حيث تساهم عادةً بحوالي 22%. ومع ذلك، امتنعت إدارة الرئيس دونالد ترامب عن سداد كامل مستحقاتها، مما أدى إلى تراكم ديون كبيرة. حتى الآن، تبلغ مستحقات الولايات المتحدة المتأخرة حوالي 660 مليون دولار، بالإضافة إلى فاتورة عام 2025 غير المدفوعة والتي تبلغ 826 مليون دولار. هذا التأخير في السداد أثر بشكل كبير على قدرة الأمم المتحدة على تنفيذ برامجها ومهامها.
في المقابل، أعلنت الولايات المتحدة مؤخرًا عن التزام بتقديم ملياري دولار للوكالات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة. هذا التمويل الإضافي مخصص لدعم جهود الإغاثة الإنسانية في مناطق الأزمات حول العالم. ومع ذلك، لا يزال هذا لا يعوض بشكل كامل عن المتأخرات في الموازنة العادية.
يرى البعض أن موقف الولايات المتحدة يعكس انتقاداتها لطريقة عمل الأمم المتحدة، حيث اتهم الرئيس ترامب المنظمة بإهدار أموال دافعي الضرائب. ودعا مسؤولون أميركيون خلال فترة ولايته إلى إعادة هيكلة الأمم المتحدة والتركيز على “الأساسيات” مثل حفظ السلام ومنع النزاعات. السفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أعرب عن دعمه لخفض عدد الوظائف في الأمم المتحدة وتقليل البيروقراطية.
تداعيات أوسع على وكالات الأمم المتحدة
لا تقتصر الأزمة المالية على ميزانية الأمم المتحدة العادية، بل تمتد لتشمل العديد من وكالاتها المتخصصة. تواجه منظمات مثل اليونيسف واليونسكو أيضًا عجزًا ماليًا، وتخطط لاتخاذ إجراءات مماثلة لخفض الإنفاق. هذا العجز قد يؤثر على قدرة هذه الوكالات على تقديم الخدمات الأساسية للأطفال والشباب، وتعزيز التعليم والثقافة والعلوم في جميع أنحاء العالم. الوضع المالي الصعب يهدد بتقويض جهود التنمية المستدامة التي تقودها الأمم المتحدة.
بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي خفض الميزانية إلى تقليل قدرة الأمم المتحدة على الاستجابة للأزمات الإنسانية والطوارئ العالمية. هذا قد يزيد من معاناة الفئات الأكثر ضعفاً، ويعرض الأمن والاستقرار الإقليمي للخطر. تعتبر الاستجابة الفعالة للأزمات من أهم أولويات الأمم المتحدة، ولكنها قد تصبح أكثر صعوبة في ظل القيود المالية الحالية.
من المتوقع أن تستمر الأمم المتحدة في البحث عن حلول للأزمة المالية التي تواجهها. تشمل هذه الحلول زيادة كفاءة الإنفاق، وتنويع مصادر التمويل، والضغط على الدول الأعضاء لتسديد مستحقاتها المتأخرة. في الوقت نفسه، يجب على الأمم المتحدة أن تثبت قيمتها وأهميتها للدول الأعضاء، وأن تبرر طلباتها للحصول على التمويل. ستكون الأشهر القادمة حاسمة في تحديد مستقبل الأمم المتحدة وقدرتها على مواجهة التحديات العالمية.
في الختام، يمثل خفض ميزانية الأمم المتحدة تحديًا كبيرًا للمنظمة، ويتطلب بذل جهود مكثفة للتكيف مع الوضع المالي الجديد. من الضروري مراقبة تطورات الأزمة المالية، وتقييم تأثيرها على عمل الأمم المتحدة، والبحث عن حلول مستدامة لضمان استمرارها في تحقيق أهدافها السامية. الوضع المالي للأمم المتحدة سيظل نقطة مراقبة رئيسية في الدبلوماسية الدولية خلال الفترة القادمة.

