كيف يستقبل الغزيون رمضان بعد الحرب الإسرائيلية؟

يحلّ هلال رمضان على الفلسطينيين بغزة هذا العام وسط مشهد قاتم غير مسبوق من الدمار والمعاناة، بعد قرابة 16 شهرًا من الإبادة الإسرائيلية، التي حولت القطاع المحاصر إلى "منطقة منكوبة".
تابعوا تطبيق "عرب ٤٨"… سرعة الخبر | دقة المعلومات | عمق التحليلات
شهر رمضان، الذي كان مناسبة للفرح والروحانية، بات هذا العام موسمًا يعاني فيه الفلسطينيون الجوع والبرد والفقدان، في خيام تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الأساسية، بعدما دمرت إسرائيل منازلهم.
ويواجه نحو 1.5 مليون فلسطيني، من أصل 2.4 مليون نسمة في غزة، مأساة التشرد القسري، جراء الإبادة والتدمير الواسع الذي ألحقته إسرائيل بمنازلهم.
قبل الإبادة، كانت شوارع غزة تمتلئ بأصوات المآذن، التي تعلن حلول الشهر المبارك، فيما تتجمل الأسواق بزينة رمضان، ويجتمع الأطفال لحفظ آيات من القرآن الكريم.
لكن اليوم، تحولت هذه المشاهد إلى مجرد ذكريات، بعدما اختلط صوت الأذان بأنين الجرحى، واستُبدلت الأسواق النابضة بالحياة بأكوام من الأنقاض.
في كل زاوية، يشهد الدمار على الإبادة الجماعية التي استهدفت الفلسطينيين ومنازلهم ومساجدهم ومدارسهم، فيما يحاول الناجون، رغم الألم، التمسك بذكرياتهم الرمضانية ولو بأبسط الوسائل.
لم تعد الفوانيس تضيء الشوارع كما في السابق، بل باتت تُعلق على بقايا الجدران المدمرة وأعمدة الخيام، في محاولة لترميم ما تبقى من روح الشهر الفضيل.
وفي 2 شباط/ فبراير الجاري، أعلن رئيس المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، سلامة معروف، القطاع منطقة "منكوبة" جراء حرب الإبادة الإسرائيلية.
في مشهد يعكس روح الصمود والتحدي، يحاول الفلسطينيون في غزة الحفاظ على طقوس رمضان، رغم الدمار.
وسط الركام، عُلّقت الفوانيس، ورُسمت جداريات ملونة، في محاولة لإضفاء بصيص من الأمل على واقع قاسٍ.
وقال أحد الشبان المشاركين في تزيين الشوارع والمناطق المدمرة، لوكالة الأناضول: "نصنع من الألوان حياة، فنحن شعب يحب الحياة، شعب يأتي رمضان إلينا، ونحن نتمناه مليئًا بالأمن والطمأنينة".
بائع القطايف
وسط الدمار والمعاناة التي يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة، يحاول الباعة الحفاظ على طقوس رمضان، رغم الظروف القاسية.
وفي مدينة خان يونس، جنوبي القطاع، يقف فلسطيني أمام بسطته، لبيع القطايف، الحلوى الرمضانية التي تعد طبقًا رئيسيًا على كل مائدة إفطار.
وقال للأناضول: "الأجواء التي نعيشها هذا العام أصعب من أي وقت مضى، لا توجد بهجة أو فرحة، ولا يبدو على الناس أن رمضان قادم. في السنوات السابقة، كانت الطبول تُدق، والزينة تُعلق، وكان الفرح حاضرًا، أما اليوم، فالأوضاع مختلفة تمامًا".
وأضاف: "هذه أصعب سنة تمر علينا، المواطنون خرجوا من تحت أنقاض بيوتهم مهدمة وشهداء، والناس في حالة اكتئاب".
غياب الأحبة
رمضان في غزة هذا العام ليس كما عرفه الفلسطينيون يومًا، إذ ستغيب عنه التجمعات العائلية، التي كانت تميز موائد الإفطار.
فعشرات آلاف العائلات فقدت أحباءها، جراء الإبادة الإسرائيلية، وأصبح غيابهم الحاضر الأكبر على موائد الإفطار.
وحتى الخميس، أعلنت وزارة الصحة بقطاع غزة ارتفاع حصيلة ضحايا حرب الإبادة الإسرائيلية في القطاع إلى 48,365 شهيدًا، منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
شح الطعام والماء
مع اشتداد الأزمة الإنسانية، يواجه الغزيون صعوبات غير مسبوقة في تأمين الطعام والماء، حيث لم تعد وجبتا الإفطار والسحور متاحتين للجميع.
المساعدات الغذائية شحيحة، وأسعار السلع، التي تدخل عن طريق التجار، مرتفعة بشكل يفوق قدرة العائلات التي فقدت مصادر دخلها.
أما المياه النظيفة، فقد أصبحت رفاهية نادرة، ما يجعل حتى تحضير الطعام تحديًا إضافيًا للصائمين، في ظل غياب وسائل الطهي، واعتمادهم على الحطب والورق.
والثلاثاء، أكد المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، وجود "صعوبات كثيرة" في إدخال المساعدات إلى القطاع، وذلك في مؤتمر صحفي، تعليقًا على وفاة 6 أطفال حديثي الولادة في غزة، بسبب قيود الاحتلال الإسرائيلية على دخول المساعدات، رغم إعلان وقف إطلاق النار.
وتطرق دوجاريك إلى بيان وزارة الصحة في غزة، مشيرًا إلى أن 6 رضع فلسطينيين فقدوا حياتهم جراء البرد القارس، مؤخرًا، ليرتفع عدد الأطفال الذين لقوا مصرعهم جراء البرد في القطاع إلى 15.
وأكد أن السلطات الإسرائيلية فرضت قيودًا على دخول المساعدات، وقال: "ما فهمته من زملائنا العاملين في المجال الإنساني، هناك العديد من الصعوبات في إدخال منازل متنقلة (كرفانات) وخيام. لا نزال نواصل إدخال بعضها، لكننا بحاجة إلى المزيد".
وتتنصل إسرائيل من السماح بإدخال مساعدات إنسانية "ضرورية" للقطاع، خاصة 200 ألف خيمة و60 ألف منزل متنقل، لتوفير الإيواء العاجل للفلسطينيين المتضررين، منتهكة بذلك اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 19 يناير/ كانون الثاني الماضي، بحسب المكتب الحكومي.
وسط الدمار
في كل زاوية من القطاع، يبدو الخراب شاهدًا على حجم الكارثة التي حلّت بغزة، حيث تحولت الأحياء، التي كانت تضج بالحياة، إلى ركام.
ومع ذلك، لا يزال الفلسطينيون يحاولون التمسك بالحياة، بخيمهم البسيطة، يضيئون فوانيسهم الصغيرة على الجدران المتهاوية وفي الخيام، ويرددون أدعيتهم تحت السماء.
ورغم المآسي، يحاول الفلسطينيون في غزة إحياء شعائرهم الدينية وسط الركام، حيث ستقام صلوات التراويح بين الأنقاض، وترفع الدعوات في المساجد، التي تحولت إلى أطلال.
والأسبوع الماضي، أعلنت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في قطاع غزة، أن الجيش الإسرائيلي دمّر خلال حرب الإبادة 1,109 مساجد، من أصل 1,244، تدميرًا كليًا أو جزئيًا.
معاناة مليوني فلسطيني
وقال إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، لوكالة الأناضول: "يعاني أكثر من مليوني إنسان من نقص حاد في المواد الغذائية الأساسية، في ظل ارتفاع غير مسبوق للأسعار، ما يجعل الحياة اليومية أكثر قسوة".
وأشار إلى أن "عشرات الآلاف من النازحين يعيشون في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، حيث يعتمدون على مساعدات إنسانية غير كافية لسد احتياجاتهم الأساسية".
وأوضح أن "بعض العائلات تقتصر وجباتها اليومية على وجبة واحدة فقط، بسبب شح الموارد وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق".
وأضاف: "تعاني الأسواق في غزة من نقص حاد في المواد الغذائية الأساسية، إلى جانب ارتفاع كبير في الأسعار، نتيجة الحصار الإسرائيلي المستمر".
وبدعم أميركي، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي، بين 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 و19 كانون الثاني/ يناير 2025، إبادة جماعية في غزة، خلفت أكثر من 160 ألف شهيد وجريح من الفلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 14 ألف مفقود.
وبدأ في 19 كانون الثاني/ يناير الماضي، سريان اتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل أسرى بين حركة حماس والاحتلال الإسرائيلي، يشمل 3 مراحل، تستمر كل منها 42 يومًا، بوساطة مصر وقطر، ودعم الولايات المتحدة.
المصدر: عرب 48