حلّ «الانتقالي» يمهّد لتسويات هادئة في جنوب اليمن

تتصاعد التوترات في جنوب اليمن، مع تحول ملحوظ في ديناميكيات الأزمة من النشاط السياسي إلى أعمال عنف متزايدة. يأتي هذا في أعقاب سعي الحكومة اليمنية لفرض سيطرتها على القرار الأمني والعسكري في المنطقة بعد حل المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو ما أثار ردود فعل متباينة وتهديدات بالتصعيد. هذا الخلاف يمثل تحديًا جديدًا للجهود الأممية الرامية إلى تحقيق سلام شامل في اليمن، ويضع مستقبل الوضع في جنوب اليمن على المحك.
وتتركز الأحداث في محافظات عدن، لحج، أبين، والمهرة، حيث تشهد هذه المناطق اشتباكات متقطعة بين قوات موالية للحكومة وأخرى مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي السابق. تصاعد العنف يفاقم الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعاني منها سكان الجنوب، ويؤثر سلبًا على عملية إيصال المساعدات الإنسانية.
تصعيد العنف بعد حل المجلس الانتقالي الجنوبي
في أغسطس 2023، اتخذت الحكومة اليمنية قرارًا مفاجئًا بحل المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو هيئة سياسية وعسكرية تسعى إلى الحكم الذاتي أو الاستقلال للجنوب. وبررت الحكومة هذا القرار بالقول إن المجلس يشكل تهديدًا للوحدة الوطنية والسلطة المركزية، وأنه يعمل على تقويض جهود السلام.
لكن ردود الفعل على هذا القرار لم تكن موحدة. اعتبر المجلس الانتقالي الجنوبي هذا الإجراء غير قانوني، وتعهد بمواصلة نشاطه السياسي والعسكري. كما حظي القرار بانتقادات من بعض القوى السياسية الجنوبية التي اتهمت الحكومة بالسعي إلى تهميش الجنوب وإعادة إنتاج أسلوب الحكم المركزي القديم.
أسباب التصعيد
عدة عوامل ساهمت في تصاعد العنف بعد حل المجلس الانتقالي الجنوبي. يمكن تلخيص هذه العوامل في النقاط التالية:
- التنافس على السلطة والموارد: يشهد جنوب اليمن تنافسًا حادًا بين مختلف القوى السياسية والعسكرية على السيطرة على السلطة والموارد الطبيعية، خاصة النفط والغاز.
- الخلافات الأيديولوجية: هناك خلافات أيديولوجية عميقة بين القوى الموالية للحكومة والتي تدعم فكرة الدولة الموحدة، وبين القوى الجنوبية التي تطالب بالحكم الذاتي أو الاستقلال.
- التدخلات الخارجية: تُتهم بعض الدول الإقليمية بالتدخل في الشأن اليمني، ودعم أطراف معينة على حساب أخرى، مما يزيد من تعقيد الأزمة.
ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة، تسببت الاشتباكات الأخيرة في سقوط العديد من القتلى والجرحى، وتدمير بعض البنى التحتية المدنية. كما أدت إلى نزوح الآلاف من السكان من مناطق الصراع.
محاولات الحكومة لتوحيد القرار الأمني والعسكري
بعد حل المجلس الانتقالي الجنوبي، كثفت الحكومة اليمنية من جهودها لتوحيد القرار الأمني والعسكري في جنوب اليمن. وتهدف هذه الجهود إلى بسط سيطرتها الكاملة على المنطقة، وإنهاء حالة الانفلات الأمني التي تعاني منها.
وقامت الحكومة بتعيين قيادات عسكرية وأمنية جديدة في محافظات الجنوب، وقامت بنقل قوات عسكرية إضافية إلى المنطقة. كما أعلنت عن خطط لتسريح وتأهيل المقاتلين المنتمين إلى المجلس الانتقالي الجنوبي السابق. إلا أن هذه الخطوات واجهت مقاومة من بعض الجهات الجنوبية.
وزير الداخلية اليمني، وفقًا لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، أكد على أهمية توحيد كافة الأجهزة الأمنية تحت قيادة واحدة لضمان استقرار الجنوب اليمني. وأضاف أن الحكومة ملتزمة بتوفير الأمن والحماية لجميع المواطنين في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك الجنوب.
تداعيات الأزمة على الوضع الإنساني وجهود السلام
تتسبب الأزمة المتصاعدة في جنوب اليمن في تدهور حاد في الأوضاع الإنسانية. يشكو السكان من نقص الغذاء والدواء والماء والكهرباء، كما يواجهون صعوبة في الحصول على الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة.
بالإضافة إلى ذلك، تعيق الأزمة جهود السلام التي تبذلها الأمم المتحدة. فقد أدت الاشتباكات المتكررة إلى عرقلة المفاوضات بين الأطراف المتنازعة، وتأخير تنفيذ اتفاقيات وقف إطلاق النار. ويؤكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، على ضرورة التهدئة ووقف العنف لإنجاح جهود السلام.
يواجه اليمن بالفعل أزمة إنسانية هي الأسوأ في العالم، ويثقل الصراع في الجنوب كاهل هذه الأزمة. ومن المتوقع أن يرتفع عدد المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية في الأشهر القادمة إذا لم يتم التوصل إلى حل سلمي للأزمة.
مستقبل الأزمة
لا يزال مستقبل الأزمة في جنوب اليمن غامضًا. ويعتمد مسار الأحداث على عدة عوامل، بما في ذلك تطورات الحوارات السياسية، وقدرة الحكومة على بسط سيطرتها على المنطقة، وموقف القوى الإقليمية.
من المتوقع أن تشهد الأزمة تطورات جديدة في الفترة القريبة القادمة، خاصة مع اقتراب الموعد النهائي المحدد لتنفيذ اتفاقيات السلام. وسيكون من المهم مراقبة ردود فعل القوى الجنوبية على الإجراءات التي تتخذها الحكومة، وتداعيات ذلك على الأوضاع الأمنية والإنسانية. ويركز المجتمع الدولي حاليًا على دعم جهود الأمم المتحدة للوصول إلى حل سياسي شامل يضمن الاستقرار والسلام في اليمن بشكل عام.

