بعد حرب طاحنة.. انهيار سبل العيش يحاصر الأُسر في غزة | الخليج أونلاين

الوضع في قطاع غزة يزداد سوءًا مع كل يوم يمر، والخدمات الأساسية في قطاع غزة تشهد انهياراً شبه تام، مما يهدد حياة أكثر من مليوني نسمة. لم يعد الأمر مجرد نقص في الاحتياجات الأساسية، بل هو انهيار كامل للبنية التحتية ونظام الحياة الذي كان قائمًا. هذه الأزمة الإنسانية المعقدة تتطلب نظرة متعمقة على الأسباب والنتائج، والبحث عن حلول مستدامة.
## تدهور الأوضاع المعيشية: قصة أحمد وحكايات أخرى
كان أحمد نصر، المحامي الشاب في منتصف الثلاثينات من عمره، يبدأ يومه قبل الحرب متجهاً إلى مكتبه في مدينة غزة، حيث كان يؤمن دخلاً مستقراً يعيل به أسرته الصغيرة. لم يكن غنياً، لكنه كان قادراً على توفير حياة كريمة لأطفاله الأربعة. اليوم، تغير كل شيء. فقد أحمد عمله ومصدر دخله بالكامل بعد اندلاع الحرب، ومع تدمير المرافق وتعطل المحاكم وتوقف الحياة الاقتصادية، وجد نفسه عاجزاً حتى عن تأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرته.
يوضح أحمد، في حديثه لـ”الخليج أونلاين”، أن أكثر ما يؤلمه ليس فقدان مهنته التي تعب سنوات من أجلها، بل عجزه اليومي عن توفير الطعام لأطفاله، مضيفاً: “نقضي أياماً بدون أن يدخل علينا شيكل واحد، وأحياناً لا أملك ما أقدمه لهم سوى الخبز إن وجد، وبعض طعام المساعدات”. تحولت حياة أحمد إلى صراع يومي مع الفقر والقلق والخوف من الغد، في مشهد بات يتكرر في آلاف البيوت الغزية. قصة أحمد ليست حالة فردية، بل تمثل نموذجاً لانهيار سبل العيش في قطاع غزة بعد الحرب.
## تأثير الحرب على الاقتصاد الفلسطيني في غزة
أدى العدوان الإسرائيلي إلى تدمير معظم القطاعات الإنتاجية، وتوقف شبه كامل للنشاط الاقتصادي، مع فقدان مئات الآلاف لمصادر دخلهم. وتشير تقديرات محلية ودولية إلى ارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل توقف الأعمال الحرة والمهن المستقلة، وانهيار قطاعي التجارة والخدمات، وتدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ما حرم الأسر من أي مورد بديل للبقاء. الوضع الاقتصادي المتردي يفاقم من الأزمة الإنسانية، ويجعل الاعتماد على المساعدات الخارجية أمراً حتمياً.
وبات الفقر واقعاً يومياً تعيشه غالبية الأسر في قطاع غزة، وتعتمد معظم العائلات اليوم على المساعدات الإنسانية المحدودة، في وقت يعاني فيه أكثر من 90% من السكان من انعدام الأمن الغذائي، وتواجه آلاف الأسر خطر المجاعة. هذا الانعدام للأمن الغذائي يهدد صحة وسلامة السكان، خاصة الأطفال وكبار السن.
## الآثار الاجتماعية والنفسية للانهيار
لم يقتصر انهيار سبل العيش على الجانب الاقتصادي فحسب، بل خلف آثاراً اجتماعية ونفسية عميقة. تغيرت الأدوار داخل الأسرة، وتحملت النساء عبئاً مضاعفاً لإدارة شؤون الحياة اليومية، في حين فقد كثير من الرجال دورهم التقليدي كمُعيلين، ما عكس ضغوطاً نفسية واجتماعية قاسية. هذا التحول في الأدوار الأسرية يخلق توترات وصراعات داخلية، ويؤثر على التماسك الاجتماعي.
أما الأطفال فقد دفعوا ثمناً باهظاً، إذ حرموا من التعليم، وفقدوا شعور الأمان، وتحولت طفولتهم إلى رحلة يومية للبحث عن الطعام والماء، في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الحياة. هذه الظروف القاسية تترك ندوباً عميقة في نفوس الأطفال، وتؤثر على مستقبلهم.
## انهيار الخدمات الأساسية: تهديد للصحة العامة
الباحثة في الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، ريم منصور، أكدت أن الأسر الفلسطينية في قطاع غزة تواجه انهياراً اجتماعياً واقتصادياً وإنسانياً غير مسبوق في مرحلة ما بعد الحرب، في ظل الدمار الواسع، وفقدان مصادر الدخل، وانتشار المجاعة، وتحول الحياة اليومية إلى محاولات متواصلة للبقاء. الخدمات الأساسية في قطاع غزة تشهد انهياراً شبه تام، وهو ما يمثل تهديداً حقيقياً للصحة العامة.
وأوضحت لـ”الخليج أونلاين” أن “قطاع غزة يمر بمرحلة شديدة الخطورة من التدهور الشامل، وآثار الحرب لم تقتصر على الخسائر البشرية والدمار المادي، بل امتدت لتطال أنماط الحياة ذاتها، مع اختفاء شبه كامل لسبل العيش التقليدية، وتفكك البنية الاجتماعية والاقتصادية للأسر”. وبينت أن نحو 2.1 مليون فلسطيني ما زالوا داخل القطاع من أصل 2.4 مليون نسمة، في ظل موجات نزوح قسري واسعة، حيث يعيش أكثر من 1.7 مليون نازح في مراكز إيواء وخيام بدائية تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، مع مستويات اكتظاظ خطيرة تتجاوز 15 شخصاً في الغرفة الواحدة، وانعدام شبه كامل للخصوصية، وتدهور الأوضاع الصحية.
وتؤكد أن انقطاع الكهرباء كلياً، وتلوث أكثر من 88% من آبار المياه، وتصريف مياه الصرف الصحي في الشوارع والبحر، إلى جانب توقف البلديات والمؤسسات العامة والمصارف عن العمل، قد أسهم في انتشار الأوبئة والأمراض وتهديد الصحة العامة، لا سيما بين الأطفال وكبار السن. بالإضافة إلى ذلك، فإن نقص الأدوية والمستلزمات الطبية يعيق تقديم الرعاية الصحية اللازمة.
### تداعيات على القطاعين الصحي والتعليمي
تشير ريم منصور إلى أن نحو 90% من الأسر الفلسطينية تعاني من انعدام الأمن الغذائي، فيما يواجه أكثر من 650 ألف طفل خطر الموت جوعاً نتيجة نقص الغذاء وحليب الأطفال، وارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال والرضّع إلى مستويات تهدد الحياة. وفيما يتعلق بالقطاعين الصحي والتعليمي، ذكرت أن أكثر من 38 مستشفى و96 مركزاً صحياً خرجت عن الخدمة، وتعمل المنشآت المتبقية في ظروف قاسية ودون أدوية أو وقود كافٍ. وتعطلت العملية التعليمية بشكل كامل، وحرم أكثر من 785 ألف طالب وطالبة من حقهم في التعليم، إضافة إلى استشهاد أكثر من 13,500 طالب و830 معلماً منذ بدء العدوان.
## مستقبل غزة: الحاجة إلى حلول مستدامة
الاقتصاد في قطاع غزة شهد انهياراً شبه كامل، مع تدمير 94% من الأراضي الزراعية، وأكثر من 268 ألف وحدة سكنية، وارتفاع معدلات الفقر إلى 90%، والبطالة إلى 75%، ما جعل غالبية الأسر تعتمد بشكل كلي على المساعدات الإنسانية. تحولت الحياة اليومية للأسر بعد الحرب إلى واقع قاسٍ، حيث أصبحت الخيام والمباني المدمرة مأوى اضطرارياً، وتعتمد معظم الأسر على وجبة واحدة يومياً، والطهو بالحطب والبلاستيك، وجلب المياه عبر طوابير طويلة غالباً ما تكون ملوثة.
إن الوضع في قطاع غزة يتطلب تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي لتقديم المساعدات الإنسانية اللازمة، وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة، وإيجاد حلول مستدامة لإنعاش الاقتصاد وتوفير فرص العمل. كما يجب العمل على تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، لضمان حقوق الفلسطينيين في العيش بكرامة وأمان. الخدمات الأساسية في قطاع غزة تشهد انهياراً شبه تام، وهذا يتطلب جهوداً مشتركة لإعادة الأمل إلى قلوب سكان غزة.

