كيف نستهلك الملح دون الإضرار بصحتنا؟

يشهد سوق الملح، بما في ذلك أنواعه الفاخرة كملح الهيمالايا الوردي، نموًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. يرجع هذا الاهتمام إلى الاعتقاد السائد بأن هذه الأنواع أكثر صحة وطبيعية من ملح الطعام التقليدي، وهو ما أثار نقاشًا حول القيمة الغذائية الحقيقية لهذه المنتجات وتأثيرها على الصحة العامة. وتشير الأبحاث إلى أن الفروقات بين أنواع الملح قد تكون مبالغًا فيها.
يؤكد خبراء التغذية أن كل أنواع الملح، بما في ذلك الملح الوردي، هي في الأساس كلوريد الصوديوم. يحتاج الجسم إلى الصوديوم بكميات معتدلة لوظائف حيوية، لكن الإفراط في تناوله يرتبط بمخاطر صحية مثل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن أغلب الناس يتناولون كميات ملح تفوق الحدود الموصى بها.
هل ملح الهيمالايا الوردي حقًا أفضل لصحتك؟
تنتشر الادعاءات حول الفوائد الصحية لملح الهيمالايا الوردي، بما في ذلك احتوائه على معادن مثل المغنيسيوم والبوتاسيوم والحديد. ومع ذلك، تؤكد الدراسات أن هذه المعادن موجودة بكميات ضئيلة جدًا لا تقدم فائدة غذائية كبيرة. فالحصول على كمية كافية من هذه المعادن يتطلب استهلاك كميات كبيرة من الملح، تفوق بكثير الجرعة اليومية الموصى بها.
على سبيل المثال، نشرت مجلة Foods دراسة أشارت إلى أن استهلاك أكثر من 30 غرامًا من ملح الهيمالايا الوردي يوميًا قد يكون ضروريًا للاستفادة من محتواه المعدني، وهو ما يعادل ست ملاعق صغيرة، وهو ما يمثل خطرًا على الصحة. بالإضافة إلى ذلك، فإن عملية إنتاج الملح، بغض النظر عن نوعه، تتضمن معالجة بدرجات متفاوتة.
عمليات إنتاج الملح المختلفة
تشمل عمليات إنتاج الملح استخراجًا، وتبخيرًا، وغسلًا، وتجفيفًا، وطحنًا. وبالتالي، فإن وصف أي نوع من الملح بأنه “طبيعي” تمامًا قد يكون غير دقيق. في المقابل، غالبًا ما يتم تدعيم ملح الطعام التقليدي باليود، وهو عنصر حيوي لصحة الغدة الدرقية.
تعتبر إضافة اليود إلى ملح الطعام من الإجراءات الوقائية الهامة التي اتخذتها العديد من الدول لمكافحة نقص اليود، والذي يمكن أن يؤدي إلى مشاكل في النمو والتطور، خاصة لدى الأطفال. وتشير الإحصائيات إلى أن هذه التدابير ساهمت بشكل كبير في تحسين صحة الغدة الدرقية في المجتمعات التي تعاني من نقص اليود.
تقليل استهلاك الملح: نصائح عملية
للحد من استهلاك الملح والحفاظ على النكهة، يمكن استخدام الملح الخشن، الذي يوفر إحساسًا أقوى بالملوحة بكمية أقل. كما يمكن اختيار أنواع الملح منخفضة الصوديوم والغنية بالبوتاسيوم، الذي يساعد الجسم على التخلص من الصوديوم الزائد.
أظهرت دراسة نشرتها مجلة نيو إنجلاند الطبية أن استبدال الملح العادي ببدائل منخفضة الصوديوم يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة 14% وخطر الوفاة بنسبة 12% على مدى خمس سنوات. ومع ذلك، يجب على مرضى الكلى والأشخاص الذين يتناولون أدوية معينة استشارة الطبيب قبل إجراء أي تغييرات في نظامهم الغذائي.
من المهم أيضًا ملاحظة أن تقليل الملح لا يقتصر على الكمية المضافة أثناء الطهي، بل يشمل الانتباه إلى كمية الصوديوم المخفية في الأطعمة المصنعة والوجبات الجاهزة. فالعديد من هذه المنتجات تحتوي على مستويات عالية من الصوديوم، والتي قد تساهم بشكل كبير في تجاوز الجرعة اليومية الموصى بها.
تتجه الجهات الصحية حاليًا نحو زيادة التوعية بمخاطر الإفراط في تناول الصوديوم وتشجيع الشركات المصنعة على تقليل محتوى الملح في منتجاتها. ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن مبادرات جديدة في هذا الصدد خلال الأشهر القادمة، بهدف تحسين صحة المجتمع وتقليل انتشار الأمراض المرتبطة بارتفاع ضغط الدم.
في الختام، على الرغم من التسويق المكثف لبعض أنواع الملح، فإن الفروقات الجوهرية بينها وبين ملح الطعام التقليدي محدودة. التركيز الأساسي يجب أن يكون على تقليل الاستهلاك الكلي للملح، بغض النظر عن نوعه، والانتباه إلى مصادره المخفية في الأطعمة المصنعة. ستستمر الدراسات في تقييم تأثير بدائل الملح على الصحة العامة، مع التركيز بشكل خاص على الفئات الأكثر عرضة للخطر.

