Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اخبار الشرق الأوسط

أخبار اسرائيل: هدم مقر الأونروا في الشيخ جراح… و”السلام” الذي لا يزور غزة

بينما تزدحم التصريحات عن “التهدئة” و“الاستقرار” و“خطط ما بعد الحرب”، جاءت الجرافات لتكتب سطراً آخر بلغة الإسمنت والحديد: هدم منشآت داخل مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في حي الشيخ جراح بالقدس. وفي مشهد يختصر كثيراً من تناقضات المرحلة، تُرفع الأعلام وتُغلق الطرق وتُطوّق المنطقة، ثم يُقال لنا إن الأمور تسير نحو “سلام” ما. يكفي متابعة أخبار اسرائيل وما يتقاطع معها من تفاصيل مرتبطة بـ أخبار بنيامين نتنياهو لندرك أن كلمة “سلام” تُستخدم أحياناً كعنوان صحافي جميل، بينما الواقع في غزة لم يذق منه شيئاً حتى الآن.

صباح الهدم: أمن كثيف ورسالة أوضح من الكلمات

بحسب المعطيات المتداولة، نفّذت جرافات إسرائيلية عمليات هدم لمنشآت داخل مجمع مقر الوكالة في الشيخ جراح. تزامن ذلك مع انتشار مكثف للشرطة وحرس الحدود، وتطويق كامل للمنطقة، ومنع الوصول أثناء التنفيذ. داخل المجمع توجد مكاتب إدارية ومخازن، وقد بدأ الهدم في أجزاء منها، فيما قالت الوكالة إن قوات إسرائيلية صادرت أجهزة تخص الموظفين وأجبرتهم على مغادرة المكان.

هذه ليست مجرد عملية “تنفيذ قرار إداري”، كما قد يُصاغ الأمر في بعض البيانات. هي رسالة سياسية وأمنية مركّبة تقول: حتى المؤسسات الدولية ليست خارج دائرة الضغط، وحتى المقرات التي تحمل صفة أممية يمكن التعامل معها كمساحة قابلة للإخضاع.

“هجوم غير مسبوق” كما وصفه لازاريني

المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني وصف ما جرى بأنه “هجوم غير مسبوق” على وكالة تابعة للأمم المتحدة. الأهم في كلامه ليس الوصف الانفعالي، بل التحذير: إذا قُبلت فكرة اقتحام منشأة أممية وهدم مبانٍ داخلها، فغداً يمكن تكرار الأمر مع أي منظمة دولية أو حتى بعثة دبلوماسية، سواء في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو في أي مكان آخر.

كما أشار لازاريني إلى تعارض الإجراءات الإسرائيلية مع ما اعتبره تأكيداً قضائياً دولياً على التزامات إسرائيل بتسهيل عمل الوكالة وعدم إعاقته، وأن القدس الشرقية ليست ضمن ولاية قضائية إسرائيلية وفق المنظور الذي تستند إليه قرارات دولية. هنا يصبح النزاع أكبر من “مقر” وأكبر من “مستودع”: إنه نزاع على القواعد التي تحكم العمل الإنساني نفسه.

إسرائيل والاتهامات المتكررة: “قانون جديد” ونقاش قديم

تقول إسرائيل إن عملية الهدم تأتي تنفيذاً لقانون جديد يحظر عمل الأونروا في مناطق تعتبرها ضمن نطاق سيادتها، وتكرر اتهاماتها للوكالة بوجود صلات مع جهات مسلحة، وهي اتهامات نفتها الوكالة مراراً. وبين الاتهام والنفي، يقف المدنيون أمام سؤال عملي جداً: من سيقدم الخدمات إذا أُضعفت المؤسسة الأكثر حضوراً في حياة اللاجئين؟

اللافت أن الجدل حول الأونروا ليس جديداً؛ منذ تأسيسها عام 1949 وهي محور شدّ سياسي: الفلسطينيون يرونها جزءاً من ضمانات حق العودة والخدمات الأساسية، وإسرائيل تدفع باتجاه تفكيك دورها أو تقليصه. لكن الجديد هو انتقال هذا الجدل من ساحات السياسة إلى جرافة على الأرض.

لماذا يهم مقر واحد في الشيخ جراح كل المنطقة؟

قد يبدو للبعض أن الحديث عن مقر في القدس شأن محلي، لكن تأثيره يتجاوز المكان للأسباب التالية:

  • رمزية القدس الشرقية: أي خطوة فيها تُقرأ كترسيخ لواقع جديد، لا كإجراء منفصل.
  • رسالة للمنظمات الإنسانية: التشدد ضد الأونروا يتزامن مع تضييق أوسع على منظمات الإغاثة العاملة في غزة والضفة.
  • ضغط على الخدمات الأساسية: الأونروا تدير مدارس ورعاية صحية وخدمات اجتماعية وملاجئ، وأي تعطيل ينعكس مباشرة على الناس.
  • تسييس المساعدة: حين يصبح وصول الكهرباء والماء أو دخول الموظفين موضع قرار سياسي متغير، تصبح المساعدة أداة ضغط لا حقاً إنسانياً.

“سلام” على الورق… وواقع لا يتغير

هنا تأتي السخرية الثقيلة التي لا تحتاج جهداً بل تحتاج صدقاً: تُطرح مبادرات ومسميات براقة، وتُعقد مؤتمرات، وتُطلق وعود عن “إدارة ما بعد الحرب”، بينما غزة ما زالت تبحث عن أبسط معنى للسلام: بيت لا يُقصف، مدرسة لا تتحول إلى ملجأ، مستشفى لا يعمل على الحد الأدنى، وممرات تساعد على وصول الغذاء والدواء بلا تعقيدات سياسية.

والأكثر إيلاماً أن الصراع على المؤسسات الإنسانية لا يحدث في فراغ؛ إنه يحدث في وقت يحتاج فيه الناس إلى كل نافذة دعم ممكنة، لا إلى إغلاق النوافذ وإعادة تعريفها كـ“تهديد”.

حين تُدار المنطقة بالاتصالات الهاتفية

في مكالمة هاتفية دافئة، ناقش روبيو ونتنياهو كل شيء دفعة واحدة: إيران المحتجة، وغزة المنهكة، وسوريا التي تُدار على طريقة “خفض التصعيد”. الجميع حاضر على الطاولة… إلا الناس على الأرض. روبيو يغرّد دعماً لـ“الشعب الإيراني الشجاع”، بينما يُدار ملف غزة عبر مجالس لم تتشكل بعد، وخطط تُعلن قبل أن ترى واقع القطاع. أما سوريا، فتنال نصيبها من “آلية تنسيق” و“خلية اتصال” ووعود بازدهار قادم، كأن المشكلة كانت دائماً سوء تفاهم، لا قصفاً ولا احتلالاً ولا دماء. سلام يُدار بالمكالمات والبيانات المشتركة، ويُقاس بعدد الآليات لا بعدد الضحايا، فيما الواقع يمشي بعكس الاتجاه… بهدوء، ومن دون اتصال.

كلمة عابرة

ما جرى في الشيخ جراح ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشر واضح على اتجاه متواصل: تضييق على مؤسسة أممية قديمة الدور، وتحويل العمل الإنساني إلى ساحة نزاع سيادي وأمني. وبينما يُقال لنا إن “السلام” قادم، تظل غزة خارج هذه الجملة، كأنها هامش قابل للتأجيل. فبينما تُدار الملفات بالمكالمات وتُكتب الخطط في المؤتمرات، يبقى الواقع ثابتاً: جرافة في القدس، حصار في غزة، وخدمات إنسانية تُعامل كامتياز مؤقت. وربما آن الأوان لأن يُسأل من يكررون كلمة سلام: أي سلام هذا الذي يبدأ بهدم مقرات الإغاثة، وينتهي بترك الناس وحدهم أمام الخراب؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *