“”جيت هنا قبل كده”.. لماذا نشعر أننا زرنا المكان سابقا؟

هل شعرت يومًا بأنك تعيش لحظة مرّة، رغم يقينك بأنها الأولى؟ هذا الإحساس المألوف، الغريب في آن واحد، يُعرف بـ الديجافو (Déjà vu)، وهو تجربة شائعة يمر بها الكثيرون. قد يبدو الأمر وكأنه لمحة من الماضي أو إشارة من عالم آخر، لكن العلم يقدم تفسيرات منطقية لهذا الشعور الغامض. في هذا المقال، سنتعمق في فهم ظاهرة الديجافو، أسبابها المحتملة، وكيف يفسرها العلم الحديث، بعيدًا عن التفسيرات الروحانية.
ما هو الديجافو؟ تعريف وتوضيح
الديجافو، كما ذكرت الدكتورة شيماء البهي، خبيرة علم الأعصاب، هي كلمة فرنسية تعني حرفيًا “شوهد من قبل”. وهي تصف الشعور القوي والمفاجئ بأن موقفًا حاليًا أو مكانًا جديدًا قد تم تجربته أو رؤيته سابقًا. هذا الإحساس لا يتعلق بذكريات واضحة، بل هو شعور بالألفة العميق يصعب تحديده أو تفسيره. قد يشعر الشخص بأنه يعرف ما سيحدث بعد ذلك، أو أنه قادر على تذكر تفاصيل الموقف، على الرغم من أنه لم يمر به من قبل.
بين التفسيرات الروحانية والتفسيرات العلمية للديجافو
لطالما أثارت ظاهرة الديجافو فضول البشر، وظهرت حولها العديد من التفسيرات. في بعض الثقافات، يُنظر إليها على أنها دليل على التناسخ أو الحياة الماضية، حيث يعتقد البعض أن هذا الشعور ناتج عن استعادة ذكريات من حياة سابقة. تفسيرات أخرى تربطها بالحدس أو القدرات الخارقة.
ومع ذلك، يركز العلم على تفسيرات أكثر واقعية. يؤكد الخبراء أن الديجافو ليس وهمًا أو خيالًا، بل هو نتيجة لعمليات معقدة تحدث داخل الدماغ. على الرغم من أننا لا نفهم تمامًا كل جوانب هذه الظاهرة، إلا أن الأبحاث تشير إلى وجود خلل مؤقت في طريقة معالجة الدماغ للمعلومات. هذا لا يعني أن هناك مشكلة خطيرة، بل هو مجرد “خطأ برمجي” عابر في نظامنا العصبي.
السر يكمن في الفص الصدغي: كيف يعمل الدماغ؟
وفقًا للدكتورة شيماء البهي، يكمن السر وراء الديجافو في الفص الصدغي للدماغ. هذا الجزء من الدماغ يلعب دورًا حاسمًا في معالجة الذاكرة، وإحساس الألفة، والتعرف على الأماكن والوجوه.
عندما ينشط الفص الصدغي بشكل غير طبيعي أو بشكل منفصل عن بقية مناطق الدماغ المشاركة في معالجة المعلومات الحسية، قد يرسل الدماغ إشارات خاطئة. هذه الإشارات توحي بأن الموقف الحالي مألوف، على الرغم من أنه جديد تمامًا. يمكن تشبيه الأمر بأن الدماغ “يقفز” إلى استنتاج خاطئ، معتقدًا أنه قد مر بهذه التجربة من قبل.
دور الخلايا العصبية في حدوث الديجافو
الأبحاث الحديثة تشير إلى أن بعض الخلايا العصبية في الفص الصدغي قد تكون مسؤولة عن اكتشاف الأنماط والتشابهات بين المواقف المختلفة. عندما يواجه الدماغ موقفًا جديدًا يشبه بشكل ما موقفًا سابقًا، قد تنشط هذه الخلايا العصبية بشكل مفرط، مما يؤدي إلى الشعور بالديجافو. هذا قد يحدث حتى لو كان التشابه سطحيًا أو غير واعي.
هل الديجافو مرتبط بمشاكل صحية؟
في معظم الحالات، يعتبر الديجافو تجربة طبيعية وغير ضارة. ومع ذلك، قد يكون تكرار حدوثه بشكل ملحوظ أو مصحوبًا بأعراض أخرى علامة على وجود مشكلة صحية.
على سبيل المثال، قد يكون الديجافو المتكرر مرتبطًا بالصداع النصفي، أو بعض أنواع النوبات الصرعية، أو حتى تلف في الفص الصدغي نتيجة لإصابة أو مرض. إذا كنت تعاني من الديجافو بشكل متكرر ومزعج، فمن المهم استشارة الطبيب لاستبعاد أي أسباب طبية محتملة. كما أن بعض الأبحاث تربط بين الديجافو وبعض حالات الإجهاد والقلق.
الديجافو والذاكرة: علاقة معقدة
العلاقة بين الديجافو والذاكرة معقدة وليست مفهومة تمامًا. يعتقد البعض أن الديجافو قد يكون مرتبطًا بضعف في عملية استرجاع الذاكرة، حيث يحاول الدماغ ملء الفراغات في المعلومات الحسية عن طريق استعادة ذكريات غير كاملة أو خاطئة.
آخرون يقترحون أن الديجافو قد يكون ناتجًا عن تداخل بين الذاكرة قصيرة المدى والذاكرة طويلة المدى، مما يؤدي إلى شعور بأن الموقف الحالي قد تم تخزينه بالفعل في الذاكرة طويلة المدى. بغض النظر عن الآلية الدقيقة، فمن الواضح أن الذاكرة تلعب دورًا رئيسيًا في هذه الظاهرة الغامضة.
الخلاصة: فهم الديجافو خطوة نحو فهم الدماغ
الديجافو هو تجربة شائعة ومثيرة للاهتمام تكشف لنا عن تعقيدات الدماغ البشري. على الرغم من أن التفسيرات الروحانية قد تكون جذابة للبعض، إلا أن العلم يقدم لنا فهمًا أكثر منطقية لهذه الظاهرة. من خلال دراسة الديجافو، يمكننا أن نتعلم المزيد عن كيفية عمل الذاكرة، وكيف يعالج الدماغ المعلومات الحسية، وكيف ينشأ إحساسنا بالواقع. إذا كنت تشعر بالفضول حيال هذه الظاهرة، فابحث عن المزيد من المعلومات واستمر في استكشاف أسرار الدماغ المذهلة. هل مررت بتجربة الديجافو من قبل؟ شاركنا تجربتك في التعليقات!

