Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اخبار التقنية

هل يتجسس الذكاء الاصطناعي علينا؟

في العقد الماضي، كان الخوف من التجسس مرتبطا بكاميرات المراقبة في الشوارع أو ببرامج خبيثة تخترق أجهزة الحاسوب، أما اليوم، ومع هيمنة نماذج الذكاء الاصطناعي والأنظمة اللغوية الكبيرة، انتقل النقاش إلى مستوى أكثر تعقيدا، وهو هل الأجهزة التي نستخدمها لتسهيل حياتنا هي في الواقع أدوات تنصت وتحليل لبياناتنا الشخصية على مدار الساعة؟ هذا السؤال يثير قلقاً متزايداً حول مستقبل الخصوصية في ظل التقدم التكنولوجي السريع.

تعتمد هذه التقنيات على جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات، وهو ما يطرح تحديات كبيرة فيما يتعلق بحماية المعلومات الشخصية. وتركز المخاوف الأساسية على كيفية استخدام هذه البيانات، وما إذا كان يتم ذلك بطرق شفافة وأخلاقية، وهل هناك ضمانات كافية لمنع إساءة استخدامها. تتضمن أبعاد هذا النقاش أيضاً دور الشركات والحكومات في تنظيم هذه التكنولوجيا الناشئة.

الابتكار مقابل الخصوصية.. أين يكمن الخطر؟

تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي بناء على مبدأ بسيط تقنياً ولكنه مخيف إجرائياً، “البيانات هي الوقود”. ولكي يصبح الذكاء الاصطناعي ذكياً، فإنه يحتاج إلى كميات هائلة من المعلومات لتدريب نماذجه، وهذه المعلومات تشمل سجلات البحث، والمواقع الجغرافية، والرسائل النصية، وحتى النبرات الصوتية. هذا الاعتماد على البيانات يثير تساؤلات حول حدود الوصول إلى المعلومات الشخصية.

السؤال هنا ليس “هل يجمع الذكاء الاصطناعي بياناتنا؟” (لأن الإجابة هي نعم)، بل “هل يتجسس علينا لأغراض غير معلنة؟”. فالتجسس بمعناه التقليدي يعني المراقبة السرية دون إذن، بينما تدعي شركات التكنولوجيا أننا نمنحها “الإذن” عبر الموافقة على شروط الاستخدام الطويلة التي نادراً ما يقرأها أحد. هذا الاختلاف في التعريف يمثل نقطة خلاف رئيسية في هذا النقاش.

محاور القلق الرقمي

تتزايد المخاوف من قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على جمع البيانات واستخدامها بطرق قد تنتهك الخصوصية. المساعدات الصوتية، مثل أليكسا وسيري، تمثل مثالاً واضحاً على هذه المخاطر. تعمل هذه الأجهزة من خلال الاستماع الدائم للكلمات المفتاحية، مما قد يؤدي إلى تسجيل محادثات خاصة دون قصد. تشير تقارير تقنية إلى أن هذه التسجيلات قد يتم تخزينها وتحليلها لتحسين أداء الخدمة، وهو ما يثير جدلاً حول مدى شفافية هذه العمليات.

إضافة إلى ذلك، فإن التتبع السلوكي والتحليل التنبؤي يشكلان تهديداً متزايداً. يمكن للخوارزميات تجميع معلومات حول عادات المشتريات، والتحركات الجغرافية، والأنماط السلوكية للتنبؤ بالاهتمامات والاحتياجات الفردية. هذا النوع من التحليل يمكن أن يستخدم في استهداف الإعلانات، ولكنه قد يكشف أيضاً عن معلومات حساسة حول الحياة الشخصية للأفراد.

في أماكن العمل، بدأ استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لمراقبة إنتاجية الموظفين. يمكن لهذه الأنظمة تحليل سرعة الكتابة، ونبرة الرسائل الإلكترونية، وحتى تعابير الوجه أثناء الاجتماعات الافتراضية. هذا النوع من المراقبة قد يخلق بيئة عمل غير مريحة ويؤدي إلى تقليل الثقة بين الموظفين والإدارة.

موقف الشركات العملاقة

تدافع شركات التكنولوجيا الكبرى عن نفسها بالقول إن البيانات تعالج بشكل مجهول ولا يتم ربطها بهوية الشخص الحقيقية. كما تؤكد أن معالجة البيانات تتم محلياً على الأجهزة في النماذج الحديثة لتقليل الحاجة لنقل البيانات إلى السحاب. لكن هذه الإدعاءات غالبًا ما تتعارض مع ممارسات جمع البيانات الفعلية.

ومع ذلك، أثبتت حوادث تسريب البيانات المتكررة أن هذه الضمانات ليست محصنة. في عامي 2024 و2025، واجهت عدة شركات دعاوى قضائية بسبب استخدام بيانات المستخدمين لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي دون تعويض أو إذن صريح وواضح. هذه الحوادث تسلط الضوء على الحاجة إلى قوانين أكثر صرامة لحماية البيانات الشخصية.

التشريعات الدولية: هل يكفي “قانون الذكاء الاصطناعي”؟

يعد قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) الخطوة الأكثر صرامة عالمياً حتى الآن، حيث يصنف القانون أنظمة الذكاء الاصطناعي حسب درجة خطورتها، ويحظر تماماً أنظمة “التنقيط الاجتماعي” (Social Scoring) والمراقبة البيومترية في الأماكن العامة إلا في حالات محدودة جداً. يهدف هذا القانون إلى حماية حقوق الأفراد وضمان استخدام الذكاء الاصطناعي بطرق أخلاقية ومسؤولة.

لكن في مناطق أخرى من العالم، لا تزال التشريعات متأخرة عن وتيرة الابتكار التقني، مما يترك فجوات قانونية تسمح للشركات بجمع البيانات واستغلالها تحت مسميات “تحسين تجربة المستخدم”. هذا التفاوت في التنظيم يخلق تحديات إضافية في حماية الخصوصية على المستوى العالمي.

كيف تحمي نفسك في عصر المراقبة الذكية؟

على الرغم من التحديات، هناك خطوات يمكن للأفراد اتخاذها لتقليل المخاطر وتعزيز خصوصيتهم. تشمل هذه الخطوات مراجعة إعدادات الأذونات للتطبيقات، واستخدام وضع التصفح الخاص، وتشفير المحادثات، والوعي بالمخاطر المرتبطة بمشاركة البيانات الشخصية عبر الإنترنت. يمكن استخدام شبكات VPN لتعزيز الخصوصية.

الخصوصية المطلقة اليوم قد تكون مستحيلة، ولكن يمكن تقليل “البصمة الرقمية” عبر هذه الخطوات. يجب على المستخدمين أيضاً أن يكونوا على دراية بحقوقهم فيما يتعلق بحماية البيانات وأن يطالبوا بالشفافية والمساءلة من الشركات والحكومات.

من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة المزيد من التطورات في مجال تنظيم الذكاء الاصطناعي. ستركز الجهود على تطوير قوانين أكثر شمولاً وفعالية لحماية البيانات الشخصية وضمان استخدام هذه التكنولوجيا بطرق أخلاقية ومسؤولة. من المهم متابعة هذه التطورات والتأكد من أن التشريعات الجديدة تعكس احتياجات وحقوق الأفراد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *