“ليس على الأرض”.. قصة أكبر شلال في العالم

عندما يفكر الكثيرون في أكبر شلال في العالم، يتبادر إلى الذهن شلالات آنجل أو فيكتوريا، لكن الرقم القياسي يعود لظاهرة فريدة تحدث في شلال مضيق الدنمارك، وهو شلال تحت الماء يقع بين جرينلاند وأيسلندا. هذا الشلال الهائل، الذي كشفت عنه الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية، يتجاوز أي شلال آخر على وجه الأرض من حيث الحجم والارتفاع.
يقع هذا الشلال في منطقة نائية من شمال المحيط الأطلسي، ويشكل جزءًا من نظام الدوران الحراري الملحي العالمي. اكتشافه وتحديده الدقيق يعتمد على تقنيات متطورة لرصد أعماق البحار، مما يجعله أحد أكثر الاكتشافات إثارة في علم المحيطات الحديث.
ما هو شلال مضيق الدنمارك؟
شلال مضيق الدنمارك ليس شلالًا تقليديًا يتدفق فوق صخرة. بل هو تدفق هائل للمياه يتشكل بسبب الاختلافات في درجة حرارة وكثافة المياه. المياه الباردة والكثيفة من القطب الشمالي تغوص تحت المياه الأكثر دفئًا والأقل كثافة في بحر إيرمينجر، مما يخلق تيارًا قويًا يتدفق على طول قاع البحر.
هذه العملية، المعروفة بالدوران الحراري الملحي، هي محرك رئيسي لتنظيم المناخ العالمي. تؤثر كثافة المياه على حركة التيارات المحيطية، والتي بدورها تؤثر على توزيع الحرارة حول العالم. وبالتالي، فإن فهم هذه الظاهرة أمر بالغ الأهمية للتنبؤ بالتغيرات المناخية المستقبلية.
أبعاد الشلال المذهلة
تشير القياسات العلمية إلى أن هذا الشلال يتجاوز أي شلال آخر على الأرض من حيث الأبعاد:
الارتفاع: يبلغ ارتفاعه حوالي 3500 متر، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ارتفاع شلالات آنجل (979 مترًا).
العرض: يمتد على مسافة تقارب 480 كيلومترًا عبر المضيق.
معدل التدفق: يحمل ما يقدر بنحو 3 إلى 5 ملايين متر مكعب من الماء في الثانية الواحدة، مما يجعله أضخم شلال من حيث حجم المياه المتدفقة.
كيف يتشكل هذا الشلال تحت الماء؟
يتشكل شلال مضيق الدنمارك نتيجة لعملية معقدة تبدأ في القطب الشمالي. عندما يتجمد الماء البحري، يترك الملح وراءه، مما يزيد من كثافة المياه المتبقية. هذه المياه الباردة والمالحة تغوص إلى الأسفل، وتتدفق جنوبًا عبر قاع المحيط.
عندما تصل هذه المياه إلى سلسلة جبال تحت سطح البحر في مضيق الدنمارك، فإنها تتدفق فوقها، ثم تهوي إلى الأعماق، مما يخلق تيارًا قويًا يشبه الشلال. هذه العملية مستمرة وتلعب دورًا حيويًا في تنظيم التيارات المحيطية العالمية.
لماذا لا يمكننا رؤية هذا الشلال؟
على عكس الشلالات السطحية، يقع شلال مضيق الدنمارك على عمق مئات الأمتار تحت سطح البحر، مما يجعله غير مرئي بالعين المجردة. يدرس علماء المحيطات هذا الشلال باستخدام أدوات متخصصة مثل مجسات درجة الحرارة والملوحة، وتقنية رسم خرائط الغواصات، ومصفوفات المراقبة طويلة الأجل.
على الرغم من عدم رؤيته، فإن قوة هذا الشلال هائلة، حيث يؤثر على حركة المياه في المحيط الأطلسي الشمالي ويساهم في تنظيم المناخ العالمي. دراسة هذه الظاهرة تتطلب تعاونًا دوليًا وجهودًا بحثية مستمرة.
ماذا يعني هذا الاكتشاف؟
يغير هذا الاكتشاف فهمنا للشلالات ويوسع تعريفنا لها ليشمل الظواهر التي تحدث تحت سطح البحر. كما يسلط الضوء على أهمية المحيطات في تنظيم المناخ العالمي والحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة لفهم هذه الأنظمة المعقدة.
من المتوقع أن تستمر الفرق البحثية في جمع البيانات وتحليلها لفهم أفضل لديناميكيات شلال مضيق الدنمارك وتأثيره على البيئة البحرية والمناخ العالمي. سيتم نشر النتائج الجديدة في المجلات العلمية المتخصصة خلال العام المقبل، مما سيوفر رؤى أعمق حول هذا العملاق الخفي تحت الماء.

