«الانتقالي» على حافة الاختبار… هل يحفظ مكاسبه أو يتهيأ للاصطدام الكبير؟

تشهد محافظة حضرموت اليمنية تصعيدًا خطيرًا في التوترات، حيث أعلنت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي عن خطوات أحادية الجانب تهدف إلى تغيير الوضع القائم. يأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه المنطقة جهودًا دبلوماسية مكثفة لحل الأزمة اليمنية، وتترافق معه رسائل تحذيرية حازمة من السعودية والدول الإقليمية والدولية، ترفض بشكل قاطع فرض أي واقع جديد بالقوة. وتعتبر هذه التطورات بمثابة اختبار حاسم لمستقبل حضرموت والأمن الإقليمي، وتثير مخاوف بشأن استقرار اليمن بشكل عام، خاصة مع استمرار حالة الهدنة الهشة.
بدأت الأحداث المتسارعة في حضرموت مع إعلان المجلس الانتقالي عن تشكيلات قيادية جديدة وتعيينات أمنية، وهو ما اعتبرته الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي محاولة لتقويض سلطة الدولة وفرض سيطرة الأمر الواقع. وقد أدت هذه الإجراءات إلى احتجاجات شعبية واحتكاكات مع قوات الأمن الحكومية، مما زاد من حدة التوتر في المحافظة. وتعتبر حضرموت، الغنية بالنفط، ذات أهمية استراتيجية كبيرة لليمن والمنطقة.
تصعيد المجلس الانتقالي في حضرموت: تداعيات محتملة
يعكس تصعيد المجلس الانتقالي في حضرموت رغبة متزايدة في الحصول على حكم ذاتي أوسع أو حتى الاستقلال الكامل للجنوب. ويستند المجلس في مطالبه إلى تاريخ الجنوب المتميز وشعوره بالتهميش والإقصاء من قبل الحكومة المركزية. ومع ذلك، فإن هذه المطالب تتصادم مع رؤية الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي الذي يركز على الحفاظ على وحدة وسلامة أراضي اليمن.
الرسائل السعودية والإقليمية والدولية
أصدرت المملكة العربية السعودية، التي تقود جهودًا دبلوماسية مكثفة لحل الأزمة اليمنية، بيانًا حازمًا يرفض فيه أي خطوات أحادية الجانب تهدد الأمن والاستقرار في حضرموت واليمن بشكل عام. وشدد البيان على ضرورة الالتزام بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها دوليًا، وعلى أهمية الحوار والتوافق بين جميع الأطراف اليمنية.
بالإضافة إلى ذلك، أعربت دول أخرى في المنطقة، مثل الإمارات العربية المتحدة، عن قلقها العميق إزاء التطورات في حضرموت، وحثت جميع الأطراف على التهدئة وضبط النفس. كما دعت الأمم المتحدة إلى وقف التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات، مؤكدة على أن الحل السياسي هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار في اليمن. وتشير التقارير إلى أن المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، يقوم بجهود مكثفة للتواصل مع جميع الأطراف المعنية.
الأبعاد الأمنية والاقتصادية
يمثل الوضع في حضرموت تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي، حيث يمكن أن يؤدي إلى تصعيد العنف وانتشار الجماعات المتطرفة. وتشكل محافظة حضرموت قاعدة رئيسية لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وقد يستغل هذا التنظيم الفراغ الأمني الناتج عن التوترات لتعزيز نفوذه.
علاوة على ذلك، فإن التوترات في حضرموت تؤثر سلبًا على الاقتصاد اليمني، حيث تعطل إنتاج وتصدير النفط، وهو المصدر الرئيسي للدخل القومي. وتشير الإحصائيات إلى أن قطاع النفط في حضرموت يمثل أكثر من 60% من إجمالي إنتاج النفط في اليمن. كما أن الوضع الأمني المتدهور يثبط الاستثمار ويعيق جهود التنمية الاقتصادية. وتشكل الأزمة الاقتصادية أحد أكبر التحديات التي تواجه اليمن.
في المقابل، يرى أنصار المجلس الانتقالي أن هذه الخطوات ضرورية لحماية مصالح الجنوب وتحقيق الأمن والاستقرار في حضرموت. ويؤكدون أن الحكومة المركزية فشلت في توفير الخدمات الأساسية وحماية المواطنين، وأن المجلس الانتقالي هو القادر على القيام بذلك. ومع ذلك، يرفض المراقبون هذه الذرائع، ويؤكدون على أن فرض الأمر الواقع بالقوة ليس حلاً مستدامًا.
وتشير بعض التحليلات إلى أن هناك صراعًا خفيًا على النفوذ في حضرموت بين مختلف القوى الإقليمية، وأن المجلس الانتقالي قد يكون مدعومًا من جهات خارجية تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة. ومع ذلك، لا يوجد دليل قاطع على هذه الادعاءات.
الأزمة اليمنية بشكل عام معقدة ومتعددة الأبعاد، وتشمل صراعًا على السلطة والموارد، بالإضافة إلى تدخلات خارجية. وتتطلب حل هذه الأزمة جهودًا متضافرة من جميع الأطراف اليمنية والإقليمية والدولية، والالتزام بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها. المجلس الانتقالي الجنوبي يمثل أحد أبرز الفاعلين في هذه الأزمة، وتعتبر مواقفه وتصرفاته حاسمة في تحديد مستقبل اليمن. حضرموت، بموقعها الاستراتيجي وثرواتها الطبيعية، تلعب دورًا محوريًا في هذه الأزمة.
الوضع في حضرموت يثير قلقًا بالغًا بشأن مستقبل اليمن، ويؤكد على ضرورة إيجاد حل سياسي شامل وعادل يضمن حقوق جميع اليمنيين ويحقق الأمن والاستقرار في البلاد. التصعيد الأمني في حضرموت يهدد بتقويض الجهود الدبلوماسية المبذولة لحل الأزمة اليمنية، وقد يؤدي إلى اندلاع حرب أهلية جديدة. الاستقرار السياسي في اليمن ضروري لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحسين حياة المواطنين.
من المتوقع أن يستمر المبعوث الخاص للأمم المتحدة في جهوده الدبلوماسية خلال الأيام القادمة، بهدف التوصل إلى اتفاق بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي. ويعتبر اجتماع مرتقب بين الطرفين في الرياض، برعاية سعودية، فرصة حاسمة لتهدئة التوترات وإعادة إطلاق عملية السلام. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا الاجتماع سينجح في تحقيق تقدم ملموس، نظرًا للتباين الكبير في المواقف بين الطرفين. وما زال مستقبل حضرموت واليمن معلقًا على نتائج هذه الجهود، مع بقاء احتمال التصعيد العسكري قائمًا.

