اليمن يُعيد هندسة شرعيته… قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

دخل اليمن مرحلة جديدة تتسم بتصاعد الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار وإعادة بناء الدولة، وذلك مع إعلان تشكيل لجنة عسكرية عليا وتوحيد القرار الأمني. يأتي هذا الإعلان في وقت حرج يشهد فيه اليمن صراعًا مستمرًا بين الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثي، ويمثل تحولًا في طريقة التعامل مع الأزمة من مجرد إدارتها إلى السعي لاستعادة سلطة الدولة بشكل كامل، سواء سلميًا أو بالقوة. يهدف هذا التطور إلى وضع حد للفوضى وتعزيز الأمن في البلاد.
أعلنت الحكومة اليمنية، في 28 مايو 2024، عن تشكيل هذه اللجنة، التي تضم ممثلين عن مختلف المكونات العسكرية والأمنية الموالية للحكومة. تم الإعلان عن ذلك في العاصمة المؤقتة عدن، ويأتي بعد أشهر من المشاورات والمساعي لتوحيد الصفوف. يعكس الإجراء رغبة في إرساء سلطة مركزية قادرة على بسط الأمن والنظام في جميع أنحاء اليمن، وتحدي النفوذ المتزايد للحوثيين.
أهمية تشكيل اللجنة العسكرية العليا في اليمن
يمثل تشكيل اللجنة العسكرية العليا خطوة محورية في مساعي الحكومة اليمنية لاستعادة السيطرة على البلاد. فالتشتت في المكونات العسكرية والأمنية، وانعدام التنسيق بينها، كان من أبرز عوامل تعقيد الأزمة اليمنية على مر السنوات. تهدف اللجنة إلى معالجة هذه المشكلات من خلال وضع استراتيجية عسكرية وأمنية موحدة، والإشراف على تنفيذها بفعالية.
توحيد القرار الأمني كركيزة أساسية
يعتبر توحيد القرار الأمني جزءًا لا يتجزأ من عملية إعادة بناء الدولة. فقد ساهم غياب السلطة المركزية في انتشار الفوضى والجريمة، وتصاعد نشاط الجماعات المتطرفة. بالإضافة إلى ذلك، أدى ضعف الأجهزة الأمنية إلى تقويض ثقة المواطنين في قدرتها على حماية أرواحهم وممتلكاتهم. وتهدف اللجنة إلى ضمان أن تكون جميع الأجهزة الأمنية تعمل بتنسيق وثيق، وتحت قيادة موحدة.
هذا التوحيد من شأنه أن يقلل من الازدواجية في الجهود، ويحسن من كفاءة الأداء الأمني، ويعزز من قدرة الدولة على مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة. وتشمل هذه التحديات مكافحة الإرهاب، ومكافحة تهريب الأسلحة، وحماية المنشآت الحيوية. كما يهدف توحيد القرار الأمني إلى ضمان سيادة القانون، وتعزيز العدالة والمساواة بين جميع المواطنين.
في المقابل، يرى مراقبون أن نجاح هذه اللجنة يعتمد بشكل كبير على قدرتها على كسب ثقة جميع الأطراف اليمنية، بما في ذلك تلك التي كانت تعارضها في السابق. بالإضافة إلى ذلك، يجب عليها أن تتجنب الوقوع في الأخطاء التي أدت إلى فشل المبادرات السابقة، مثل إقصاء بعض المكونات أو تجاهل مصالحها.
رسالة ردع للحوثيين
تأتي هذه الخطوة أيضًا كرسالة واضحة لجماعة الحوثي، مفادها أن الحكومة اليمنية عازمة على استعادة السيطرة على البلاد، ولن تتسامح مع أي محاولات لتقويض سلطتها. كما تعتبر تحذيرًا للحوثيين من مغبة التصعيد العسكري، والتمسك بمواقفها المتصلبة.
ووفقًا لبيانات رسمية، تؤكد الحكومة أن الهدف الرئيسي ليس بالضرورة المواجهة العسكرية، بل إجبار الحوثيين على العودة إلى طاولة المفاوضات، والقبول بشروط السلام العادل والشامل. ومع ذلك، لم تستبعد الحكومة اللجوء إلى الخيارات العسكرية إذا لم تستجب الجماعة لجهود السلام.
يُذكر أن الأزمة اليمنية اندلعت في عام 2014، بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، وإطاحة حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي. وقد تطورت الأزمة إلى حرب أهلية مدمرة، أدت إلى مقتل وإصابة عشرات الآلاف من المدنيين، وتشريد الملايين، وانهيار الاقتصاد اليمني. ويتفاقم الوضع الإنساني في اليمن بشكل مستمر، حيث يعاني أكثر من 80% من السكان من الفقر والحاجة إلى المساعدات الإنسانية.
بالإضافة إلى التحديات العسكرية والأمنية، تواجه الحكومة اليمنية تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة. فالدولة تعاني من نقص حاد في الموارد المالية، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتدهور الخدمات الأساسية. لذلك، يجب على الحكومة أن تتبنى سياسات اقتصادية واجتماعية شاملة، تهدف إلى معالجة هذه المشكلات، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
وتشير التقارير إلى أن هناك جهودًا دولية مستمرة لحل الأزمة اليمنية، برعاية الأمم المتحدة. ومع ذلك، لم تحقق هذه الجهود أي تقدم ملموس حتى الآن، بسبب تعنت الحوثيين، وافتقار الإرادة السياسية لدى الأطراف الأخرى. كما أن التدخلات الإقليمية، والصراع على النفوذ، قد ساهمت في تعقيد الأزمة، وإطالة أمدها. وتعتبر القضية اليمنية من القضايا الإقليمية المعقدة.
في الوقت نفسه، تخضع بعض المناطق اليمنية لسيطرة مجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يسعى إلى تحقيق الحكم الذاتي لمنطقة الجنوب. وهذا الأمر يضيف بعدًا جديدًا إلى الأزمة اليمنية، ويجعل حلها أكثر صعوبة. وترى بعض الأطراف أن تحقيق السلام في اليمن يتطلب التوصل إلى اتفاق سياسي شامل، يضمن تمثيل جميع المكونات اليمنية في السلطة، ويحقق التوازن في توزيع السلطة والثروة.
الخطوة التالية المتوقعة هي البدء في تفعيل صلاحيات اللجنة العسكرية العليا، ووضع خطة عمل تفصيلية لتنفيذ مهامها. من المقرر أن تقدم اللجنة تقريرًا إلى الرئيس هادي في غضون شهر من الآن، يتضمن تقييمًا للوضع العسكري والأمني في اليمن، وتوصيات بشأن الخطوات اللازمة لتحقيق الاستقرار وإعادة بناء الدولة. ومع ذلك، فإن مستقبل الأزمة اليمنية لا يزال غامضًا، ويتوقف على العديد من العوامل، بما في ذلك تطورات الأوضاع الميدانية، ونتائج المفاوضات السياسية، ومستوى الدعم الدولي.

