تركيز على حركة الاقتصاد.. قرارات عُمانية تعيد بناء مراكز القرار | الخليج أونلاين

ما الهدف الأساسي من إعادة هيكلة الجهاز الحكومي في عُمان؟
تشهد سلطنة عُمان تحولات جذرية في هيكل جهازها الحكومي، تهدف إلى تحقيق رؤية طموحة للتنمية المستدامة والازدهار الاقتصادي. هذه التحولات، التي تجسدت في حزمة من المراسيم السلطانية الأخيرة، ليست مجرد تغييرات شكلية، بل هي إعادة نظر شاملة في آليات صنع القرار، وتقليص التداخل المؤسسي، وتسريع وتيرة تنفيذ السياسات الاقتصادية. تهدف هذه الإجراءات إلى ضبط مركز القرار، وربط السياسات العامة بأهداف اقتصادية واضحة، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، وهو ما يمثل جوهر إعادة هيكلة الجهاز الحكومي في عُمان.
ضبط مركز القرار: نحو قيادة أكثر فعالية
لم تقتصر التغييرات الأخيرة على تعديل الهياكل الإدارية، بل تعدت ذلك إلى تنظيم آليات صنع القرار التنفيذي. يهدف هذا التنظيم إلى تقليل التشظي الإداري ومنح الملفات الحيوية، وعلى رأسها الملف الاقتصادي، مسارًا أكثر مباشرة وتأثيرًا. فالهدف الأساسي هو خلق قيادة مركزية قادرة على اتخاذ القرارات الحاسمة وتنفيذها بكفاءة وفعالية، بعيدًا عن التعقيدات البيروقراطية التي قد تعيق التقدم.
نقل الملف الاقتصادي: تحول استراتيجي في إدارة الدولة
أبرز تحول عملي للقرارات السلطانية الأخيرة يتمثل في نقل الملف الاقتصادي إلى قيادة عليا، وتحديدًا إلى نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، معالي السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد. هذا الإجراء يعكس إدراكًا رسميًا بأن التحديات الاقتصادية لم تعد مجرد قضايا قطاعية، بل أصبحت قضية سيادية ترتبط بشكل وثيق بالاستقرار الاجتماعي والمالي للسلطنة.
التخطيط والاستثمار من مركز واحد
إن إدارة التخطيط والاستثمار والمالية العامة والتنويع الاقتصادي من مركز واحد يمثل نقلة نوعية في طريقة عمل الحكومة. هذا التوحيد يتيح تجاوز البيروقراطية وتسريع وتيرة التنفيذ، مما يعزز القدرة على الاستجابة للتغيرات الاقتصادية العالمية واغتنام الفرص المتاحة. كما يساهم في تحقيق التكامل بين مختلف القطاعات الاقتصادية، وتجنب الازدواجية والتكرار في الجهود.
تحسين التنسيق الحكومي
بالتوازي مع ذلك، تم إعادة ترتيب أدوار مجلس الوزراء والأمانة العامة التابعة له، مع دمج مهام التواصل الحكومي والجودة المؤسسية تحت مظلة واحدة. هذا الدمج يهدف إلى تحسين تدفق المعلومات، وضبط الرسائل الحكومية، ورفع مستوى الانسجام بين السياسات المعلنة والتنفيذ الفعلي. إن وجود جهة مركزية مسؤولة عن التواصل الحكومي يضمن وصول المعلومات الصحيحة والواضحة إلى الجمهور، مما يعزز الثقة والشفافية.
دلالات استراتيجية لإعادة الهيكلة
يرى الدكتور صلاح عريبي العبيدي، الخبير الاقتصادي والأكاديمي، أن المراسيم السلطانية الأخيرة تمثل مرحلة جديدة في التطور المؤسسي للدولة، وتعكس توجهاً نحو نموذج إداري أكثر كفاءة وربطاً بين السياسات الاقتصادية والإدارية والتعليمية. ويؤكد أن هذه الهيكلة الحكومية جاءت استجابة لاحتياجات حقيقية رصدتها القيادة، انطلاقاً من قناعة بأن مراجعة الهياكل المؤسسية ضرورة لتحقيق التطور والتقدم.
تبسيط الهياكل وتقليل الازدواجية
يشير الدكتور العبيدي إلى أن تضخم المؤسسات وتداخل الاختصاصات يمثلان أحد أبرز معوقات التنمية، وأن التوجه العالمي اليوم يقوم على التخصص المؤسسي الواضح. إن إعادة هيكلة الجهاز الحكومي في عُمان تهدف إلى تبسيط الهياكل وتقليل الازدواجية، مما يرفع الكفاءة ويحسن المخرجات. كما أن التخصص يساهم في رفع جودة الخدمات وتسريع اتخاذ القرار، ويعزز الاستجابة لاحتياجات المواطنين.
تعزيز المساءلة والشفافية
ويضيف الدكتور العبيدي أن وضوح الاختصاصات المؤسسية يقلل من التضارب ويعزز المساءلة، ويسمح باستثمار الموارد بكفاءة أعلى وجودة أفضل. إن هذا التوجه ينسجم مع رؤية عُمان 2040، خصوصاً في ما يتعلق بتعزيز دور التعليم والبحث العلمي في التنمية الاقتصادية. كما أن نقل الملف الاقتصادي إلى مستوى نائب رئيس الوزراء يعكس إدراكاً بأن النهضة تبدأ من السياسات الاقتصادية، وأن تركيزها في مركز القرار يعزز سرعة التنسيق والاستجابة للتقلبات العالمية.
تعزيز الاقتصاد والمعرفة: رؤية متكاملة
بالتوازي مع إعادة هيكلة الجهاز الحكومي في عُمان، اتجهت السلطنة إلى إعادة تعريف علاقتها بالاقتصاد والتعليم والاستثمار. تم ذلك من خلال فصل الأدوار، وتوحيد المرجعيات، وربط المعرفة مباشرة بأولويات التنمية. إن إنشاء مركز مالي عالمي يعكس رغبة واضحة في إدخال الاقتصاد العُماني إلى مرحلة أكثر انفتاحاً وتنظيماً، من خلال توفير بيئة قانونية وتشغيلية جاذبة للاستثمارات والخدمات المالية المتقدمة.
رؤية عُمان 2040: أداة تنفيذ فاعلة
إن دمج متابعة رؤية عُمان 2040 ضمن وزارة الاقتصاد بقيادة الوزير خميس الجابري يحمل دلالة مهمة على الانتقال بالرؤية من مجرد وثيقة إلى أداة تنفيذ فاعلة. أصبحت الوزارة مسؤولة عن التخطيط والقياس والتصحيح، مما يقلل الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة، ويعزز المساءلة المؤسسية. كما أن دمج التعليم العام والعالي في وزارة واحدة، وفصل البحث العلمي والابتكار في كيان مستقل، يعكس فهمًا جديدًا لوظيفة كل قطاع.
خلاصة: نحو مستقبل أكثر إشراقًا
إن إعادة هيكلة الجهاز الحكومي في عُمان تمثل خطوة استراتيجية نحو بناء دولة حديثة قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة. من خلال ضبط مركز القرار، وتقليص التداخل المؤسسي، وتسريع وتيرة تنفيذ السياسات الاقتصادية، تسعى السلطنة إلى تحقيق رؤيتها الطموحة نحو مستقبل أكثر إشراقًا وازدهارًا. هذه التحولات ليست مجرد تغييرات إدارية عابرة، بل هي تحول استراتيجي ستظهر آثاره على المدى القريب والمتوسط والبعيد، مع توقع خطوات إضافية داعمة لهذا المسار. نتطلع إلى رؤية هذه الإصلاحات تؤتي ثمارها في تعزيز الاقتصاد العُماني وتحسين جودة حياة المواطنين.

