“ثورة” ذكاء اصطناعي عربي صممه شابان سوريان يتمرد على عمالقة وادي السيليكون

في خضم السباق العالمي المحموم لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، تتزايد الأسئلة حول من يملك هذه التكنولوجيا؟ ولصالح من تعمل؟ وما الثمن الذي يدفعه المستخدم مقابل “الذكاء” والسرعة؟ في هذا السياق، ظهرت منصة “ثورة” كمحاولة لتقديم نموذج بديل، يضع الأخلاق وخصوصية المستخدم في صلب التصميم، لا على هامشه.
أسس المنصة شقيقان من أصول سورية، هما هاني وسعيد، وقد عملا سابقًا في قطاع التكنولوجيا بأوروبا. يقدمان “ثورة” بوصفها منصة ذكاء اصطناعي “للناس، لا للشركات ولا للحكومات”، في موقف صريح ينتقد سياسات شركات التكنولوجيا الكبرى، لا من زاوية تقنية فقط، بل من منظور أخلاقي وسياسي أوسع.
منصة “ثورة”: رؤية بديلة للذكاء الاصطناعي
تأسست “ثورة” انطلاقًا من تجربة شخصية عميقة للأخوين هاني وسعيد في قطاع التكنولوجيا. عملهما في شركة ألمانية تتعامل مع بيانات صحية حساسة كشف لهما عن المخاطر الكامنة في جمع البيانات واستغلالها من قبل الشركات الكبرى. أدركا أن التكنولوجيا ليست مجرد أدوات، بل هي مرتبطة بشكل وثيق بحياة الناس وثقتهم.
هذه التجربة دفعتهم إلى إطلاق “ثورة” كمنصة تركز على حماية خصوصية المستخدم وتقديم خدمات ذكاء اصطناعي موثوقة وأخلاقية. يؤكد المؤسسان أن الخصوصية والموثوقية ليستا خيارات إضافية، بل هما شرطان أساسيان لا يمكن التنازل عنهما في تصميم أي نظام ذكي.
مسيرة مهنية غير تقليدية
على الرغم من عدم حصولهما على تعليم أكاديمي تقليدي في علوم الحاسوب، تمكن هاني وسعيد من تطوير مهاراتهما من خلال العمل الميداني والتعلم الذاتي. يؤكد هاني أن هذه التجربة منحتهم مرونة وقدرة على التكيف مع التطورات السريعة في مجال التكنولوجيا. ويضيف سعيد أن القدرة على التعلم المستمر أصبحت مهارة أساسية في هذا المجال.
تقسيم الأدوار بين الأخوين كان استراتيجيًا، حيث تولى هاني الجانب التقني، بينما ركز سعيد على التسويق والإدارة والاتصال. هذا التنوع في المهارات ساهم في بناء منصة متكاملة تجمع بين الجودة التقنية والوعي الأخلاقي.
التحديات الأخلاقية والسياسية
تتبنى “ثورة” موقفًا نقديًا تجاه شركات التكنولوجيا الكبرى، وتتهمها بوضع الأرباح فوق البشر. يرى المؤسسان أن هذه الشركات تعتمد سياسات ضارة تنتهك خصوصية المستخدم وتستغل بياناته لتحقيق مكاسب مالية. كما ينتقدان تورط بعض هذه الشركات في دعم أنظمة قمعية أو أنشطة عسكرية.
يؤكد هاني وسعيد أن “ثورة” تهدف إلى تقديم بديل أخلاقي لهذه الشركات، من خلال بناء منصة تحترم حقوق المستخدم وتحمي خصوصيته. ويشيران إلى أن هذا الهدف يتطلب رفض التمويل من مصادر مشبوهة والالتزام بمبادئ الشفافية والمساءلة.
رفض التمويل من أجل الاستقلالية
على الرغم من تلقيهما العديد من عروض الاستثمار، رفض هاني وسعيد قبول أي تمويل خارجي. يؤكدان أن هذا القرار كان ضروريًا للحفاظ على استقلالية المنصة وضمان عدم تدخل أي جهة خارجية في تحديد مسارها الأخلاقي. ويعتقدان أن التمويل الخارجي قد يؤدي إلى إعطاء الأولوية للأرباح على حساب القيم الأساسية التي تقوم عليها “ثورة”.
يرى المؤسسان أن بناء مجتمع قوي من المستخدمين الداعمين هو أفضل طريقة لضمان استدامة المنصة ونموها. ويؤكدان أن “ثورة” تعتمد على مساهمات المجتمع وتغذيته الراجعة لتحسين خدماتها وتطويرها.
مستقبل الذكاء الاصطناعي: بين التكنولوجيا والأخلاق
يطرح هاني وسعيد أسئلة جوهرية حول مستقبل الذكاء الاصطناعي ودوره في تشكيل مستقبل الإنسان. يريان أن التكنولوجيا يجب أن تكون أداة لخدمة الإنسانية، وليس وسيلة للسيطرة عليها أو استغلالها. ويؤكدان على أهمية وضع معايير أخلاقية واضحة لتوجيه تطوير واستخدام هذه التكنولوجيا.
يؤمن المؤسسان بأن “ثورة” يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تغيير طريقة تفكير الناس في الذكاء الاصطناعي وتشجيعهم على المطالبة بحقوقهم في الخصوصية والمساءلة. ويطمحان إلى بناء مجتمع عالمي من المستخدمين الذين يتبنون قيمًا أخلاقية ويساهمون في بناء مستقبل أفضل للجميع.
في الوقت الحالي، تركز “ثورة” على تطوير خدماتها وتحسين تجربة المستخدم. من المتوقع أن تطلق المنصة المزيد من الميزات الجديدة في الأشهر القادمة، وتوسيع نطاق خدماتها لتشمل المزيد من اللغات والمجالات. يبقى التحدي الأكبر هو جذب المزيد من المستخدمين وإقناعهم بتبني نموذجًا بديلًا للذكاء الاصطناعي يضع الأخلاق في المقام الأول.

