عصر السراب الرقمي.. كيف يسرق الذكاء الاصطناعي وجوهنا وأموالنا؟

مع التطور السريع الذي نعيشه أصبحنا في حقبة لم يعد فيها الرؤية دليل التصديق، فتخيل مثلا أن تتلقى اتصالا مرئيا من مديرك المباشر يطلب منك تحويلا ماليا عاجلا لصفقة سرية، أو أن تسمع صوت والدك يطلب المساعدة في محنة. الأصوات هي الأصوات، والملامح هي الملامح، لكن الكيان الذي أمامك ليس إلا خوارزمية معقدة. لقد انتقل الأمن السيبراني من مرحلة حماية البيانات إلى مرحلة حماية الحقيقة ذاتها، فالتزييف العميق (Deepfake) أصبح يمثل ذروة التهديدات الوجودية في العصر الرقمي، حيث يتم استغلال الذكاء الاصطناعي التوليدي لسرقة الهوية البيومترية، مما يضع البنوك والحكومات في مواجهة مباشرة مع “عدو غير مرئي” لا يخطئ.
تزايدت حوادث استخدام تقنية التزييف العميق في عمليات احتيال مالي، وتشويه السمعة، والتأثير على الانتخابات خلال العام الماضي، وفقًا لتقرير صادر عن وزارة الداخلية. وتشير التقديرات إلى أن الخسائر المالية الناتجة عن هذه العمليات تجاوزت المليار دولار على مستوى العالم. وتستهدف هذه الهجمات بشكل متزايد الأفراد والمؤسسات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مما يستدعي اتخاذ تدابير وقائية عاجلة.
تشريح التهديد.. لماذا التزييف العميق أخطر من سابقيه؟
في العقد الماضي، كان الاحتيال يعتمد على التصيد عبر روابط خبيثة، لكن اليوم، نعيش عصر “انتحال الشخصية الاصطناعي” حيث تستخدم هذه التقنية شبكات تنافسية توليدية (Generative Adversarial Networks – GANs)، ويعمل نظامان من الذكاء الاصطناعي ضد بعضهما، أحدهما يزيف والآخر يكشف التزييف، ويستمران في هذه المعركة حتى ينتج النظام الأول محتوى يتجاوز قدرة النظام الثاني على الكشف.
هذا التطور جعل التزييف العميق يتجاوز “خداع البشر” إلى “خداع الآلات”، فالأنظمة التي كانت تعتمد على بصمة الوجه أو الصوت كعامل أمان نهائي أصبحت الآن الثغرة الأكبر، لأن المهاجم لم يعد بحاجة لسرقة كلمة مرورك، بل قام ببساطة بنسخك رقميا. وتشير التحليلات الأمنية إلى أن التزييف العميق يمثل تحديًا فريدًا لأنظمة المصادقة الحيوية التقليدية.
من “الأمن المادي” إلى “الأمن الإدراكي”
تعتبر المؤسسات المالية هي المختبر الأول لاختبار صمود المجتمعات أمام التزييف العميق، فلم يعد القطاع المصرفي ينظر إلى الأمن السيبراني كجدار ناري فحسب، بل كعملية “تحليل إدراكي” مستمرة. وتعتمد البنوك بشكل متزايد على تقنيات متقدمة للكشف عن التزييف العميق وحماية عملائها.
- ثورة اختبارات الحيوية (Liveness 2.0): استبدلت البنوك الرائدة اختبارات “الابتسام للكاميرا” التقليدية بأنظمة تفحص التفاعلات الفيزيائية الدقيقة. وهذه الأنظمة تراقب الآن تدفق الدم في الوجه، وتوسع حدقة العين استجابة للضوء، وانعكاسات الشاشة على القرنية. فالذكاء الاصطناعي التوليدي قد يقلد الملامح، لكنه حتى الآن يواجه صعوبة في محاكاة الفيزياء المعقدة للضوء والبيولوجيا البشرية في الوقت الفعلي.
- البصمة السلوكية (Behavioral Biometrics): تتبنى البنوك استراتيجية “الهوية المستمرة”، فبدلا من التأكد من هويتك عند تسجيل الدخول فقط، يقوم النظام بمراقبة طريقة إمساكك بالهاتف، وزاوية ميله، وتوقيت الضغط على الأزرار. لأن التزييف العميق قد يسرق وجهك، لكنه لا يستطيع سرقة “إيقاعك العصبي” في التعامل مع الأجهزة.
- بروتوكولات “القناة المزدوجة”: بدأت البنوك في العودة إلى مبدأ “التحقق المادي المتعدد”، حيث في العمليات الكبرى لا يكتفى بالوجه أو الصوت، بل يطلب مفتاح أمان فيزيائي (Hardware Token) أو تشفير عبر البلوكشين لا يمكن تزييفه برمجيا.
بالإضافة إلى ذلك، تعمل البنوك على تطوير أنظمة للكشف عن الأنماط غير الطبيعية في المعاملات المالية، والتي قد تشير إلى استخدام التزييف العميق في عمليات الاحتيال. وتشمل هذه الأنماط التحويلات المالية الكبيرة إلى حسابات غير معروفة، أو تغييرات مفاجئة في سلوك المستخدم.
الحكومات وحماية “العقد الاجتماعي الرقمي”
بالنسبة للحكومات، فالتزييف العميق ليس مجرد أداة لسرقة الأموال، بل هو سلاح لزعزعة الاستقرار السياسي وتدمير الثقة في المؤسسات. وقد أعلنت العديد من الدول عن خطط لإنشاء وحدات متخصصة لمكافحة التزييف العميق وحماية الأمن القومي.
والبعض منها بدأ العمل على تطوير بروتوكولات تثبت مصدر المحتوى (Content Provenance). وهذا يعني أن أي فيديو رسمي يصدر عن جهة حكومية يحمل “توقيعا رقميا” مشفرا في بنية الملف نفسه، وإذا تم تعديل بكسل واحد فيه، يظهر للمستخدم فورا أن المحتوى “غير موثوق”. كما تضغط الحكومات حاليا لفرض قوانين تلزم شركات الذكاء الاصطناعي بوضع “علامات مائية غير مرئية” (Watermarking) على أي محتوى يتم توليده آليا، بحيث يمكن لبرامج الحماية التعرف عليه فورا حتى لو بدا بشريا تماما.

الفجوة التقنية.. سباق التسلح بين “التزييف” و”الكشف”
المشكلة الحقيقية تكمن في أن أدوات التزييف تتطور بمعدل أسرع من أدوات الكشف، وأصبحنا نحن أمام معادلة تقنية صعبة، فتكلفة إنتاج فيديو مزيف بجودة عالية تتناقص باستمرار مع توفر القدرات الحوسبية، بينما تتطلب عملية الكشف الدقيق تقنيات باهظة وتحليلا معمقا للبيانات الضخمة. وتشير التقديرات إلى أن تكلفة تطوير أدوات الكشف عن التزييف العميق تتجاوز تكلفة تطوير أدوات التزييف نفسها بعشرة أضعاف.
لذا، تتجه الاستراتيجيات الحديثة نحو “بناء الحصانة” بدلا من “العلاج”، أي تدريب الموظفين والجمهور على التشكيك المنهجي في المحتوى الرقمي. وتشمل هذه الاستراتيجيات حملات توعية عامة، وورش عمل تدريبية، وتطوير أدوات تعليمية تفاعلية.
يقول الخبراء إن عصر التزييف العميق يفرض علينا واقعا جديدا ومؤلما، فالخصوصية انتهت، والمصداقية أصبحت عملة نادرة، وستظل البنوك والحكومات في سباق دائم لتحديث دروعها الرقمية، ولكن يبقى الوعي البشري هو خط الدفاع الأخير. ومن المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة إطلاق مبادرات جديدة لتعزيز الوعي العام بمخاطر التزييف العميق.

