لماذا أصبحت كروت الشاشة “عملة نادرة” هذا العام؟

في مطلع هذا العام، استيقظ العالم التقني على واقع جديد، فلم تعد بطاقات الشاشة (Graphic Cards)، مجرد قطع من العتاد الصلب يحلم بها هواة الألعاب أو المصممون، بل تحولت إلى “عملة نادرة” يتصارع عليها أباطرة التكنولوجيا. هذه الأزمة، التي باتت تعرف اصطلاحا بـ”راماغيدون”، ليست مجرد نقص في الإمدادات، بل هي إعادة هيكلة جذرية لموازين القوى في سوق السيليكون، حيث أصبحت الذاكرة العشوائية “دي آر إيه إم” (DRAM) وذاكرة الفيديو “في آر إيه إم” (VRAM) هي المحرك الأول للاقتصاد التقني العالمي.
بدأت تداعيات هذه الأزمة تظهر في الربع الأخير من عام 2025، وتفاقمت في يناير 2026، مما أثر على قطاعات واسعة من الصناعة التقنية، بدءًا من تصنيع الحواسيب الشخصية وصولًا إلى مراكز البيانات الضخمة التي تعتمد على معالجات الرسوميات لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتتركز المشكلة بشكل أساسي في نقص حاد في إنتاج ذواكر الفيديو عالية الأداء، مما أدى إلى ارتفاع أسعار بطاقات الشاشة بشكل غير مسبوق.
ذاكرة الفيديو “في آر إيه إم”.. المكون الذي كسر ميزانية المستخدم
تاريخيا، كان المعالج الرسومي (الرقاقة المركزية) هو المكون الأغلى في البطاقة، لكن هذا العام، قلبت أزمة “راماغيدون” الطاولة، فقد أصبحت ذاكرة الفيديو “في آر إيه إم” (VRAM) تمثل أكثر من 60% من تكلفة تصنيع البطاقة. والبطاقات الحديثة التي تتطلب سعات تبدأ من 16 غيغابايت لتشغيل ألعاب بدقة 8K أو معالجة الفيديوهات المعقدة، أصبحت تكلفتها التصنيعية تتجاوز أسعار بيعها المقترحة سابقا.
وقد أدى هذا الارتفاع في الأسعار إلى تقليص القدرة الشرائية للمستهلكين، مما أجبر العديد منهم على تأجيل شراء بطاقات شاشة جديدة أو البحث عن بدائل أرخص، حتى لو كانت أقل أداءً. بالإضافة إلى ذلك، أثر النقص في المعروض على توافر البطاقات في الأسواق، مما أدى إلى ظهور سوق سوداء حيث يتم بيع البطاقات بأسعار مضاعفة.
تأثير الذكاء الاصطناعي على الأزمة
يعزى السبب الرئيسي وراء أزمة “راماغيدون” إلى الطلب المتزايد على ذواكر الفيديو من قبل شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، مثل “أوبن إيه آي” (OpenAI) و”مايكروسوفت” (Microsoft) و”ميتا” (Meta). هذه الشركات تستخدم بطاقات الشاشة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، والتي تتطلب كميات هائلة من الذاكرة لمعالجة البيانات وتدريب الخوارزميات.
وقد قامت هذه الشركات بحجز كميات كبيرة من إنتاج ذواكر “إتش بي إم 4″ (HBM4) و”جي دي دي آر 7” (GDDR7) من الشركات المصنعة الكبرى، مثل “سامسونغ” (Samsung) و”إس كيه هاينكس” (SK Hynix)، مما أدى إلى تقليل المعروض المتاح للشركات المصنعة لبطاقات الشاشة الموجهة للمستهلكين.
تداعيات الأزمة من الألعاب إلى رغيف الخبز التقني
لا تتوقف أزمة “راماغيدون” عند حدود “الترفيه الرقمي”، بل تمتد آثارها لتشمل ارتفاع أسعار الحواسيب المحمولة، وانهيار سوق الفئة الاقتصادية، وإنعاش سوق المستعمل (والاحتيال). أصبحت أجهزة “العمل عن بعد” والطلاب أغلى بنسبة 40%، لأن ذواكر “دي دي آر 5″ (DDR5) و”إل بي دي دي آر 6” (LPDDR6) سُحبت أيضا لسد العجز في خوادم الحوسبة السحابية. اضطرت شركات مثل “إنفيديا” (Nvidia) و”إيه إم دي” (AMD) لإلغاء خطط إنتاج البطاقات الرخيصة، لأن هامش الربح فيها أصبح “سالب” بسبب ارتفاع تكلفة شرائح الذاكرة.
عادت سوق البطاقات المستعملة للازدهار، وصاحب ذلك موجة من الاحتيال وبيع بطاقات “معدنة” متهالكة بأسعار تقترب من سعر الجديد. هذا الوضع يضع المستهلكين في موقف صعب، حيث يضطرون إلى دفع أسعار مرتفعة مقابل بطاقات مستعملة أو الانتظار لفترة طويلة للحصول على بطاقة جديدة.
المستنقع الجيوسياسي وصراع السيليكون
لا يمكن فصل أزمة “راماغيدون” عن التوترات السياسية العالمية، فمع تمركز إنتاج الذواكر المتقدمة في يد شركتين أو ثلاث حول العالم، تحولت الذاكرة إلى أداة للضغط السياسي. وقد تسببت قيود التصدير والمنافسة الشرسة بين الأقطاب الاقتصادية في زيادة تعقيد سلاسل التوريد.
يرى المحللون أن الخروج من “راماغيدون” يتطلب حلين لا ثالث لهما: ابتكار تقنيات ذاكرة جديدة تعتمد على مواد أقل ندرة وأكثر وفرة في الإنتاج، وبناء مصانع ضخمة مخصصة فقط للذواكر. بدأ هذا بالفعل في الولايات المتحدة وأوروبا تحت مظلة “قوانين الرقائق” الجديدة، ولكن هذه المصانع لن تصل إلى طاقتها الإنتاجية الكاملة قبل نهاية عام 2027.
من المتوقع أن يستمر الوضع الحالي حتى الربع الثاني من عام 2027، مع تحسن تدريجي في المعروض من ذواكر الفيديو مع بدء تشغيل المصانع الجديدة. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من عدم اليقين بشأن مدى سرعة تعافي السوق، حيث يمكن أن تؤثر العوامل الجيوسياسية والتقنية على الجدول الزمني المتوقع. يجب على المستهلكين مراقبة تطورات سوق الرقائق عن كثب واتخاذ قرارات شراء مستنيرة بناءً على أحدث المعلومات المتاحة.
