Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منوعات

وجودهما حياة ، وبرّهما نجاة

الكاتب / ناصر سالمين الحوسني

كل الحب يُعوَّض، وكل الأشخاص يمكن أن يغيبوا، إلا الوالدان؛ فهما القلب الذي أحبك قبل أن تُعرف، والدعاء الذي يحرسك حتى وأنت لا تشعر ، فالوالدان ليسا مجرد سندٍ في الحياة، بل هما نعمةٌ من الله، وبركتهما تصنع من الأيام العادية أعماراً مليئة بالخير، ومن دعائهما ترتفع الأقدار وتزهر الأحلام ، و مهما بلغت من نجاحٍ ومجد، يبقى رضا الوالدين أعظم وسام، ودعاؤهما الصادق هو النور الذي يفتح الأبواب المغلقة، والكنز الذي لا يُقدَّر بثمن و إذا ضاقت الدنيا بمن فيها، يبقى حضن الوالدين وطناً لا يُغلق أبوابه، ويبقى دعاؤهما جسراً من نورٍ يعبر بك فوق كل انكسار. فهما الوحيدان اللذان يهبانك العمر كله، ثم يعتذران إن قصّرا في حقك ، ليس في الأرض حبٌّ أنقى من حب الوالدين؛ يشيخان لتبقى قوياً، ويتعبان لتنام مطمئناً، ويخفون أوجاعهم خلف ابتسامةٍ كي لا يحمل قلبك هماً. فطوبى لمن أدرك قيمتهما قبل أن يصبح الحنين إليهما وجعاً لا يُطفأ فهم قصة حبٍ إلهية لا تتكرر؛ أمٌّ تحترق ألف مرة لتراك بخير، وأبٌ يحمل أثقال الحياة فوق كتفيه ليمنحك حياةً أخف. فإذا رحلا، أدرك القلب أن بعض النِّعم لا تُعوَّض، وأن بعض الفراغات لا يملؤها أحد ويوماً ما ستبحث عن صوتٍ كان يطمئنك، وعن يدٍ كانت تمسح تعبك، وعن دعاءٍ كان يسبق خطواتك إلى السماء ،وحينها ستدرك أن الوالدين لم يكونا جزءاً من حياتك، بل كانا الحياة كلها فعندما خلق الله الوالدين، لم يمنحنا قلبين إضافيين فحسب، بل منحنا حصنين من الدعاء؛ كلما هزمتنا الحياة، أعادتنا محبتهما إلى أنفسنا دون ضجيج ، يذبلان ببطء، بينما يحرصان كل يوم أن نظل نحن مزهرين ، كل الناس يفرحون بما أصبحت عليه، إلا الوالدان؛ فهما يفرحان بما كنت عليه، وما أنت عليه، وما ستصبح عليه ، وكأن قلبَيهما لا يعرفان نهايةً للحب ففي حياة كل إنسان مملكتان؛ مملكةٌ يبنيها بيديه، ومملكةٌ بناها له والداه قبل أن يعرف كيف يقف على قدميه ليس لأنهما كانا معنا أصبحت الطرق أسهل، بل لأنهما كانا خلفنا لم نشعر بكمّ العواصف التي أبعداها عنا وهما الصفحة الوحيدة في الحياة التي كلما أعدت قراءتها، اكتشفت أنك لم توفّها حقها من الحب ، فحين يُذكر العظماء تُرفع الأسماء، وحين يُذكر الوالدان تُرفع القلوب ، ومن أعظم صور البر التي تُجسّد صدق الوفاء للوالدين، الاقتداء بقيادتنا الرشيدة وشيوخنا الكرام الذين جعلوا برّ الوالدين خُلُقاً أصيلاً ومنهجاً راسخاً في حياتهم. فهم القدوة في الإحسان والوفاء وصلة الرحم، ومن طاعة ولاة الأمر واحترام توجيهاتهم تنمو القيم وتترسخ الفضائل في النفوس. فكما أوصانا ديننا ببر الوالدين، فقد حثّنا على السمع والطاعة في المعروف لولاة الأمر، لما في ذلك من صلاح الأفراد واستقرار الأوطان، ولأن القادة العظماء كانوا ولا يزالون خير مثالٍ في تعظيم شأن الوالدين وإجلال مكانتهما، فكانوا مدرسةً تُعلّم الأجيال أن البر ليس كلماتٍ تُقال، بل سلوكٌ يُقتدى به وعملٌ يُترجم أسمى معاني الوفاء والعرفان ، وإذا كان الوالدان أعظم أبواب البر، فإن من تمام هذا البر أن نقتدي بقيادتنا الرشيدة وشيوخنا الكرام الذين ضربوا أروع الأمثلة في الوفاء للوالدين وتعظيم شأن الأسرة والقيم الأصيلة. فطاعة ولاة الأمر في المعروف نهجٌ راسخٌ أمرت به الشريعة، وبالاقتداء بهم تترسخ معاني البر والإحسان والانتماء، ويظل المجتمع متماسكاً بأخلاقه ومبادئه. وما أجمل أن يجتمع في الإنسان برُّ والديه، والوفاء لوطنه، والاقتداء بقيادته، فتكتمل فيه مكارم الأخلاق وتسمو به المراتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *