لماذا طلبت إيران نقل المحادثات مع واشنطن من تركيا إلى عُمان؟ | الخليج أونلاين

عاد مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة مجدداً، مع تطور لافت يتمثل في طلب طهران رسمياً نقل المباحثات المرتقبة من إسطنبول إلى مسقط. هذا التحول يعيد تسليط الضوء على الدور التاريخي لسلطنة عُمان في إدارة الملفات الحساسة بين الطرفين، ويأتي في ظل تصعيد عسكري متزامن، وضغوط سياسية متبادلة، وتحركات إقليمية تهدف إلى تجنب مواجهة مفتوحة. هذه الخطوة، المتعلقة بـ مفاوضات إيران والولايات المتحدة، تحمل في طياتها رسائل عميقة حول استراتيجيات الطرفين وتوقعاتهما من هذه الجولة الجديدة من الحوار.
نقل المفاوضات إلى مسقط: حسابات دقيقة
اختيار عُمان ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل يعكس حسابات دقيقة لدى كل من طهران وواشنطن. إيران، على وجه الخصوص، تصر على حصر النقاش في الملف النووي فقط، ورفضها إدراج ملفات الصواريخ أو النفوذ الإقليمي ضمن أي مسار تفاوضي جديد. هذا التوجه يعكس رغبة طهران في التحكم بجدول الأعمال ومنع توسيعه ليشمل قضايا تعتبرها حساسة.
وبحسب موقع “أكسيوس” الإخباري الأمريكي (3 فبراير 2026)، وافقت واشنطن على طلب إيران نقل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة من إسطنبول إلى مسقط. الجولة الجديدة من المحادثات من المتوقع عقدها يوم الجمعة (6 فبراير 2026) في العاصمة العُمانية.
كان من المخطط أن تُعقد المحادثات في إسطنبول بصيغة أوسع، مع مشاركة دول عربية وإسلامية بصفة مراقب. لكن إيران طالبت بتعديل الصيغة لتكون ثنائية حصرياً بينها وبين الولايات المتحدة، مع استبعاد أي أطراف أخرى من الجلسات الرسمية. المسؤولون المطلعون يرون في هذه الصيغة وسيلة لضبط مسار التفاوض ومنع توسيع جدول الأعمال. هذا التعديل يمثل أول تغيير جوهري في شكل المفاوضات منذ استئناف الاتصالات بين الطرفين.
دوافع إيران من وراء اختيار مسقط
هناك عدة دوافع وراء اختيار إيران لمسقط كمقر للمفاوضات. الباحث في الشأن الإيراني محمد عيسى يرى أن طهران تنظر إلى عُمان كـ “بيئة تفاوضية مواتية لعدة أسباب، أولها طبيعة العلاقة الثنائية المستقرة بين البلدين، وغياب أي توتر سياسي أو أمني مباشر، ما يمنح طهران شعوراً أكبر بالاطمئنان إلى مسار المحادثات”.
ويضيف عيسى أن إيران تعتبر مسقط قادرة على إدارة مفاوضات معقدة دون فرض أجندات إضافية، أو السماح بتسريب تفاصيل حساسة. كما أن سجل السلطنة في الحفاظ على سرية الجولات السابقة يعزز من ثقة طهران. بالإضافة إلى ذلك، ترى طهران أن عقد المحادثات في عُمان يقلل من احتمالات التأثير الإسرائيلي غير المباشر.
عُمان.. مسار تفاوضي تاريخي
يعكس طلب إيران نقل المفاوضات إلى مسقط إدراكاً عميقاً لقيمة الدور العُماني في إدارة القنوات الخلفية بين طهران وواشنطن. فلطالما كانت سلطنة عُمان محطة تاريخية للمحادثات السرية بين واشنطن وطهران، حيث انطلقت منها مباحثات عام 2012 والتي مهدت لتوقيع الاتفاق النووي في يوليو 2015.
ومنذ ذلك الحين، حافظت مسقط على موقعها كجسر تواصل موثوق، حتى بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018. عبر وساطات هادئة وتمرير رسائل غير مباشرة، لعبت عُمان دوراً محورياً خلال ذروة التصعيد في الخليج. خلال سنوات القطيعة والتوتر، استضافت السلطنة لقاءات تقنية وسياسية محدودة أبقت خطوط الاتصال مفتوحة، في إطار سياسة خارجية تقوم على الحياد النشط وتغليب الوساطة على الاصطفاف.
التحديات الإقليمية وتوقيت المفاوضات
يأتي نقل المفاوضات في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع تصاعد التحركات العسكرية في الخليج، وتعزيز الوجود البحري الأمريكي، وحوادث احتكاك في بحر العرب ومضيق هرمز. إسقاط طائرة مسيرة إيرانية مطلع فبراير 2026، بالتوازي مع تبادل التهديدات بشأن مستقبل البرنامج النووي، يزيد من تعقيد المشهد.
في المقابل، تعبر إسرائيل عن قلقها من نجاح أي اتفاق قد يقيد هامش تحركها العسكري، مع حديث إعلامها عن مساعٍ لإبقاء الضغوط السياسية والعسكرية قائمة. وبين هذا التصعيد وتلك المخاوف، تتحرك دول خليجية، في مقدمتها عُمان، لدفع المسار الدبلوماسي وتوفير أرضية تفاوضية تقلل احتمالات المواجهة.
آفاق مفاوضات إيران والولايات المتحدة
لا يبدو أن الولايات المتحدة وإيران تتحركان نحو الاتفاق بدافع الثقة المتبادلة، بل نتيجة كلفة البدائل. واشنطن تدرك أن أي ضربة عسكرية لن تنهي البرنامج النووي الإيراني، بل قد تسرع مساراته خارج الرقابة. في المقابل، ترى طهران أن استمرار الضغوط والعقوبات، مع اضطراب الداخل، يهدد استقرارها.
من هنا، تبدو المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة خياراً اضطرارياً للطرفين، لا تسوية نهائية بقدر ما هي إدارة مؤقتة للأزمة. تصطدم محاولة إسرائيل تعطيل أي اتفاق بحدود تأثيرها على القرار الأمريكي في هذه المرحلة. واشنطن، رغم تنسيقها الوثيق مع تل أبيب، باتت أكثر حساسية تجاه موقف دول الخليج التي تخشى كلفة الحرب أكثر من كلفة الاتفاق.
في الختام، محادثات مسقط تمثل محاولة لإعادة ضبط بوصلة الصراع، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، في واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً وحساسية منذ سنوات. يبقى التحدي الأكبر هو إيجاد أرضية مشتركة تتجاوز الحسابات الضيقة وتراعي المصالح الإقليمية والدولية، وتفتح الباب أمام حلول مستدامة للأزمات المتراكمة. لمتابعة آخر التطورات حول هذا الموضوع، يمكنكم زيارة [رابط لمصدر إخباري موثوق](مثال: https://www.aljazeera.net/).

